اجتاح ارتفاع اسعار الغذاء العالم واصبحت الصورة قاتمة امام المواطنين وخاصة فى الدول الفقيرة.
-- ارتفاع الاسعار
بدأ ارتفاع الاسعار فعليا اعتبارا من 2002، ولكنه تسارع فى الاعوام القليلة الأخيرة وخاصة منذ اغسطس 2007. وفى عام 2007 فقط ، ارتفع سعر الحبوب الدولى بنسبة 42 فى المائة.
وقد اظهر تقرير صدر مؤخرا للبنك الدولى ان سعر القمح فى السوق الدولية قفز 181 فى المائة خلال الاعوام الثلاثة الماضية ، وارتفع سعر الغذاء بنسبة 82 فى المائة بصفة عامة.
وقد قاد ارتفاع الاسعار بصفة اساسية الالبان ومنتجاتها والحبوب ولكن اسعار السلع الاخرى باستثناء السكر ارتفعت بشكل كبير ايضا.
الى جانب ارتفاع الاسعار يأتى انكماش مخزون الحبوب فى انحاء العالم. ووفقا لمنظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة (الفاو) فان احتياطى الغذاء العالمى الحالى انخفض الى ادنى مستوى منذ 1980.
-- الاسباب
من المعتقد على نطاق واسع ان الكوارث الطبيعية والطلب المتزايد على الغذاء فى انحاء العالم مع المضاربة فى الاسواق وارتفاع اسعار البترول وتوسع الوقود الحيوى، تدفع الاسعار نحو الارتفاع.
وكان برنامج البيئة للامم المتحدة قد قال ان رصيد المياه والارض والجو والنباتات والحيوانات على كوكبنا كله فى " انخفاض شديد". ووفقا لبرنامج الغذاء العالمى فان 57 دولة من بينها 29 دولة فى افريقيا و19 فى اسيا وتسع فى امريكا اللاتينية تعرضت لفيضانات كارثية. وتأثر المحصول بالجفاف والموجات الحارة فى جنوب اسيا واوروبا والصين والسودان وموزمبيق واوروجواى، وفقا لتقرير الجارديان.
وقد ساهم ايضا عدد السكان المتزايد فى وجود طلب اكبر على الغذاء، ووفقا لجوسيت شيران مدير صندوق الغذاء العالمى " هناك 854 مليون شخص جائع فى العالم و4 ملايين اخرين ينضمون لصفوفهم كل عام".
وقال " نحن نواجه اقل امدادات طعام فى التاريخ المعاصر. وبالنسبة لاكثر مناطق العالم تأثرا، فان سعر الطعام ببساطة يتجاوز قدراتهم".
ووفقا لمجلة ((ايكونوميست)) اليابانية، فانه بعد ان اثارت ازمة الرهن العقارى الامريكية الفوضى فى السوق المالى الدولى ، تدفقت كميات كبيرة من اموال المضاربة فى السوق الاجل للسلع الزراعية الاقل خطورة، مما ادى لارتفاع اسعار الاغذية الى جانب البترول والذهب وسلع اخرى.
كما ادى ارتفاع سعر البترول وتعزيز الوقود الحيوى فى العديد من الدول المتقدمة لارتفاع اسعار الاغذية. ورفع سعر البترول الباهظ تكاليف الانتاج الزراعى فى مراحله المختلفة، مثل نمو المحصول ونقل المنتج.
ويستهلك الوقود الحيوى بشكل مباشر محاصيل مثل الذرة. وقد شجعت بعض الدول المتقدمة على استخدام وانتاج الوقود الحيوى فى الاعوام الاخيرة فى محاولة لخفض انبعاثات الاحتباس الحرارى والاعتماد على واردات البترول. وكان التأثير السلبى المباشر لذلك هو انخفاض الغذاء الرئيسى لاستهلاك الانسان وترتب على ذلك ارتفاع الاسعار.
-- العواقب
وكان لارتفاع الاسعار الصاروخى للارز والقمح والاغذية الرئيسية الاخرى مثل اللبن تأثير مباشر على حياة المواطنين العاديين وخاصة فى افريقيا حيث ينفق الجزء الاكبر من الدخل على السلع الضرورية للحياة. واثار ارتفاع الاسعار الاضطرابات فى بعض الدول المتضررة بشدة مثل هايتى ومصر والفلبين. وفقا للفاو، فان 37 دولة تواجه حاليا ازمة غذاء.
وقد اجبرت ازمة الارز المستمرة فى هايتى مؤخرا رئيس الوزراء جاك ادوراد الكسيس على التنحى. وفى اسيا يضع ارتفاع سعر الارز الغذاء الرئيسى فى المنطقة القادة تحت ضغوط متزايدة حيث تطالب الاضرابات والاحتجاجات بزيادة الرواتب لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفى يوم السبت، قام حوالى 20 الف عامل باعمال شغب بسبب ارتفاع اسعار الغذاء وانخفاض الاجور بالقرب من العاصمة البنجلاديشية دكا وسط انتشار الفوضى العالمية بسبب تكاليف الغذاء المرتفعة.
وفى سيراليون، احدى افقر الدول الافريقية، ارتفع سعر الارز بنسبة 300 فى المائة. وقفز ايضا سعر الارز فى كوت ديفوار والسنغال والكاميرون بنسبة 50 فى المائة. وشهدت دول غرب افريقيا مثل كوت ديفوار وموريتانيا والسنغال وبوركينا فاسو احتجاجات بسبب ارتفاع اسعار الغذاء فى الايام القليلة الماضية.
وقال المدير الادارى لصندوق النقد الدولى دومنيك شتراوس كاهن انه " فى حالة استمرار ارتفاع اسعار الغذاء كما يحدث اليوم فان العواقب ستكون وخيمة".
قال شتراوس كاهن فى مؤتمر صحفى فى ختام اجتماع الربيع لصندوق النقد الدولى فى واشنطن يوم السبت ان "مئات الالاف من المواطنين سيتعرضون للجوع مما يؤدى الى افساد البيئة الاقتصادية".
وقال ان " مكاسب التنمية التى تحققت فى خلال خمسة او عشرة اعوام قد " تدمر تماما" وحذر من ان الاضطرابات الاجتماعية قد تؤدى الى حرب.
وذكر " كما نعلم ، بناء على ما تعلمناه من الماضى، فان هذه الامور قد تنتهى احيانا بحرب"، فاذا كان العالم يريد تجنب " هذه العواقب المروعة" فانه ينبغى معالجة ارتفاع الاسعار.
وحذر رئيس البنك الدولى ايضا روبرت زوليك من ان ارتفاع اسعار الغذاء سيؤدى لتراجع الجهود التى تبذل للحد من الفقر حوالى سبع سنوات.
واضاف زوليك انه " بينما يشعر الكثيرون بالقلق ازاء ملء خزانات البنزين، فان كثيرين اخرين فى انحاء العالم يكافحون لملء بطونهم، ومع هامش ضئيل للبقاء، فان ارتفاع الاسعار يعنى احيانا ايضا وجبات اقل".
-- الحلول
وفى ظل تعرضها لامتحان شديد، قامت حكومات اكبر دول آسيوية منتجة للارز مثل تايلاند وفيتنام والهند بخفض او وضع قيود على صادرات الارز فى محاولة لمواجهة احتياجاتها المحلية. وقد اعلنت رئيسة الفلبين جلوريا ارويو يوم الجمعة استثمارات كبيرة لاصلاح قطاع الزراعة فى البلاد الذى يعانى من عدم الكفاءة وانتشار الفساد.
ودعا مدير عام الفاو جاك ضيوف جميع قادة الدول الاعضاء الـ191 لحضور قمة فى روما بايطاليا من المقرر عقدها فى خلال الفترة من 3 الى 5 يونيو لمناقشة " الازمات" الحالية، على امل ايجاد حلول مجدية.
وقال انه "فى مواجهة احداث الشغب المتعلقة بالغذاء فى انحاء العالم مثلما يحدث فى افريقيا وهايتى ، نحن لدينا ازمة بالفعل".
وقد دعت الفاو ومنظمات دولية اخرى الدول الغنية لتكثيف مساعداتها للدول الفقيرة. وقد حث رئيس البنك الدولى الدول الصناعية الى سد فجوة غذائية تقدر بـ500 مليار دولار يحتاجها برنامج الغذاء العالمى لتلبية الاحتياجات الغذائية.
وقد وعد مفوض التنمية للاتحاد الاوروبى لويس ميشيل بعد اجتماع مع رئيس لجنة الاتحاد الفريقى جان بينج بان يرفع صندوق تنمية الاتحاد الاوروبى التمويل من الـ650 مليون يورو الحالية (حوالى مليار دولار امريكى) الى 1.2 مليار يورو ( حوالى 1.9 مليار دولار) للزراعة والتنمية الريفية فى افقر الدول فى افريقيا.
كما حثت الفاو جميع الحكومات وخاصة فى الدول النامية التى تعانى من مشاكل فى توفير الغذاء، على زيادة استثماراتها فى الزراعة وتحسين انتاجية الزراعة ووضع سياسات ملائمة لتعزيز التنمية الزراعية.
وقبل ايام قليلة، كتب رئيس الوزراء البريطانى جوردون براون رسالة الى نظيره اليابانى ياسو فوكودا الذى ترأس بلاده حاليا مجموعة الـ8 ، مطالبا بان يكون تأثير الوقود الحيوى على اسعار الغذاء جزءا من المناقشات خلال قمة مجموعة الـ8 للدول الصناعية التى ستعقد فى اليابان فى يوليو.
ودعت وزيرة التنمية الالمانية يوم السبت اثناء حضورها اجتماع البنك الدولى يوم الاحد، لتنظيم اكبر لسوق الوقود الحيوى العالمى لمنع ان يؤدى توسعه الى رفع الاسعار.
قالت هيدمارى فيزوريك - زيول " انه امر غير مقبول ان يمثل تصدير الوقود الزراعى تهديدا للامدادات التى تصل الى من يعيشون فى الفقر بالفعل".
واضافت ان العالم يحتاج قواعد جديدة تؤدى الى توازن الاهداف بما فى ذلك تخفيف اثار تغير المناخ والامن الغذائى والتنمية الاجتماعية.
وحثت اوكسفام منظمة التنمية غير الحكومية صندوق النقد الدولى على العمل بشكل وثيق مع البنك الدولى ومنظمات اخرى لتقدم الدعم المالى للدول النامية والنصيحة بشأن سياسة التعامل مع مشاكل الغذاء.
وبالنسبة للاتجاه المستقبلى لسعر الغذاء الدولى، تنبأ البنك الدولى بان ارتفاع الاسعار سيستمر لفترة طويلة بسبب الطلب العالمى القوى. وبعد حوالى عامين، قد ينخفض سعر الغذاء بعد تعديل وضع العرض والطلب، حسبما تنبأ البنك، ولكن بحلول عام 2015، سيظل سعر الغذاء بصفة عامة فوق مستوى اسعار عام 2004. (شينخوا)