بكين   32/22   مشمس جزئياً

تحقيق : الركود الاقتصادي وأزمة الرواتب يقلصان عادات الفلسطينيين الاستهلاكية في رمضان

2012:07:20.08:38    حجم الخط:    اطبع

يخشى سامر محمد صرف الكثير من راتبه الذي ما زال لم يتسلم الجزء الثاني منه على حاجيات شهر رمضان الذي يحل بعد ساعات قليلة خوفا من عدم الحصول على راتب الشهر القادم في ظل الأزمة المالية الحادة التي تعانيها السلطة الفلسطينية.

وبدا سامر مبتسما حين تلقى على هاتفه المحمول رسالة بنكية تفيد بأن باقي الراتب بنسبة 40 في المائة أودع في حسابه، لكن علامات حيرة بدت ظاهرة على وجهه وهو يقول، " تلقينا الرواتب على مرحلتين لكن الشهر القادم ما الذي سيحدث. "

واضطرت السلطة الفلسطينية بعد تأخير دام 14 يوما إلى صرف رواتب موظفيها بنسبة 60 في المائة من إجمالي الراتب نظرا للعجز المالي الذي تعانيه ويصل إلى أكثر من مليار دولار، غير أن منحة سعودية بقيمة 100 مليون دولار مكنتها من تسديد بقية الرواتب.

واضطر سامر وغيره من موظفي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى تقليص قوائم مشترياتهم التي عادة ما تطول في شهر رمضان خوفا من عدم تلقيهم لرواتبهم في الشهر القادم.

ويقول سامر لوكالة أنباء ((شينخوا)) بينما كان يتجول في السوق المركزي في رام الله بالضفة الغربية وهو يحمل بضعة أكياس بيديه " بناء على قائمة زوجتي كان يجب أن أحمل أضعاف هذه الأغراض، لكن وضع الرواتب والأسعار القياسية لا تسمح لنا بالمزيد. "

ويتابع سامر "الوضع صعب على الجميع ونحن مجبرون على التقليص حتى في مناسبة مثل شهر رمضان. "

بدوره ، يقول الموظف الحكومي سمير الخطيب من نابلس في شمال الضفة الغربية

لـ (شينخوا)، إنه يستعد وعائلته لحلول شهر رمضان بإمكانيات بسيطة لا تتعدي العادات الشرائية الشهرية بسبب أزمة الرواتب والخشية من تأخر موعد صرفها للشهر المقبل كذلك.

ويضيف الخطيب "لدينا قائمة طويلة من الاستحقاقات من فواتير وديون وتأتي أزمة الرواتب لتزيد الأمور سوءا. "

وعانت السلطة الفلسطينية مرارا من خلل في انتظام صرف رواتب موظفيها في الضفة الغربية وقطاع غزة علما أنها تحتاج نحو 150 مليون دولار شهريا للقيام بذلك.

ويتشابه المشهد في سوق رام الله كثيرا مع الوضع في سوق الزاوية القديم وسط مدينة غزة، حيث تتكدس أنواع مختلفة من البضائع استعدادا لاستقبال شهر رمضان لهذا العام، لكن من دون أن يساهم ذلك في تحقيق رواج اقتصادي ملحوظ.

وخيمت الحيرة والاستياء على وجه أبو محمد شبات (42 عاما) ويعمل موظفا لدى الحكومة المقالة التي تديرها حركة المقاومة الإسلامية )حماس) في قطاع غزة، وهو يفاضل بين الحاجيات الأكثر احتياجا لها للوصول إلى الحد الأقصى من التوفير.

ويقول شبات لـ (شينخوا)، إن ما رصده لشراء حاجيات شهر رمضان من راتبه لهذا الشهر هو مبلغ 70 دولارا أمريكيا، مكنته بالكاد من شراء الدقيق والزيوت وأنواع الجبن إلى جانب الخضار وعدد محدود من أنواع الفواكه.

أما باقي السلع الرمضانية الخاصة مثل البلح المجفف وقمر الدين وحلوى الشهر الفضيل وزينته فقال شبات، إنه أبلغ عائلته المكونة من ستة أفراد بضرورة إسقاطها من قائمة المشتريات "لأن الميزانية لا تسمح أبدا. "

وتأخرت حكومة حماس هي الأخرى عن صرف رواتب موظفيها في قطاع غزة كاملة في موعدها المحدد بسبب عجز مالي غير معلن لديها.

ولا تقتصر أزمة الرواتب التي تعانيها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك حكومة حماس في القطاع على الموظفين فحسب بل أنها خلقت ركودا اقتصاديا خيم على أسواق الأراضي الفلسطينية.

ويقول تجار محليون من غزة ورام الله، إن حركة الإقبال على شراء متطلبات شهر رمضان تعاني ركودا حادا على الرغم من توفر غير مسبوق لكميات وأنواع البضائع وتكدسها بشكل دفع إلى انخفاض نسبي في أسعارها.

وبالنسبة للؤي مرتجي الذي يدير محلا تجاريا في سوق الزاوية القديم، فإن شهر رمضان لهذا العام لا يحمل جديدا عن سابقيه سوى مزيدا من الركود في معدلات الشراء والبيع.

ويقول مرتجى لـ(شينخوا) بشأن أرباحه بعد ساعات من العمل المرهق " نفكر بأن نبيع ما نعرضه من بضاعة مكدسة أولا لدينا، وبعدين سنفكر بالأرباح . "

ويضيف مرتجى ، "الناس لا تطلب سوى قائمة مقلصة من الحاجيات الأساسية وهذه موجودة عند جميع المحلات وأرباحها قليلة (..) الطلب كله على المواد الأساسية التي تسد جوع الناس في ظل ما يعانون من ركود مالي، وهذا ينعكس على عملنا".

وأخذ مرتجى وزملاء له في السوق يتنافسون على تخفيض الأسعار أملا بجذب الزبائن وحثهم على المزيد من الشراء، غير أن نتائج ذلك بدت محدودة.

ويحل شهر رمضان ، وهو مناسبة معظمة لدى المسلمين يصومون فيه يوميا عن الطعام والشراب من ساعات الفجر حتى غروب الشمس، على الفلسطينيين وسط ركود اقتصادي خانق مع استمرار الانقسام الداخلي للعام الخامس على التوالي.

ويقول أستاذ العلوم الاقتصادية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس نائل موسى لـ(شينخوا)، إن العجز المالي للسلطة الفلسطينية يخيم على أجواء حادة من الركود في الأسواق المحلية عشية حلول شهر رمضان.

ويضيف موسى أن " تأخر الرواتب ودفعها على أجزاء يؤدي إلى انخفاض كبير في القوة الشرائية، خاصة أن الموظفين يشكلون قوة طلب رئيسية ليس فقط لما يمثلونه من طلب مباشر إنما للتأثيرات الجانبية التي يمثلونها في الاقتصاد المحلي".

وعادة ما يقبل الفلسطينيون والعرب والمسلمون بشكل عام خلال شهر رمضان وقبله بأيام على شراء المواد الغذائية بشكل أكبر من الأشهر الأخرى تحضيرا لوجبات السحور والإفطار اليومية.

لكن حتى جزء من راتب شهري أو تأخره يبقى أمنية بالنسبة لدى حامد أبو بيض الذي يعاني البطالة عن العمل منذ عام ونصف العام ، علما أنه يعيل أسرة مكونة من تسعة أفراد.

ويقول أبو بيض وهو يراقب عن بعد البضائع المكدسة في سوق الشيخ رضوان غربي غزة لـ(شينخوا)، إنه سينتظر الحصول على إعانات الجمعيات الخيرية لتدبير أمور أسرته من حاجيات الشهر الفضيل.

ويشير مراقبون اقتصاديون، إلى أن حركة الأسواق في الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن تقييمها بشبه المحدودة بفعل استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر والبطالة بمستويات قياسية.

ودفع هذا الوضع الخبير الاقتصادي من رام الله طارق الحاج إلى القول، إن شهر رمضان على الفلسطينيين حار جدا تماما مثل ما يواجهونه من سخونة الصيف لهذا العام.

ويضيف الحاج لـ(شينخوا)، أن الحركة التجارية ما بين المستهلك والتاجر متأثرة وتعاني من خلل كبير نتيجة الركود الاقتصادي بشكل ينذر بتداعيات خطيرة على مجمل الوضع الاقتصادي ويهدد الحركة التجارية بالشلل على المدى القريب.

وما يزيد من العبء الاقتصادي للفلسطينيين ترافق أزمة الرواتب مع تقليص وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) عدة برامج خاصة بما تقدمه من مساعدات للاجئين في الضفة الغربية وغزة.

وعدا عن الأوضاع الاقتصادية فإن أزمة تفاقم انقطاع التيار الكهربائي تثير قلقا شديدا لدى سكان القطاع الساحلي الذي يبقى منهكا بفعل الحصار والانقسام الداخلي المستمر منذ سيطرة حركة حماس على القطاع منذ منتصف يونيو عام 2007 بعد جولات من القتال الداخلي مع القوات الموالية للسلطة الفلسطينية.

/مصدر: شينخوا/

تعليقات