يمارس العراقيون مهنة الانتظار منذ خمس سنوات دون ان تنفتح امامهم ابواب الأمل الا بقدر ضئيل، حتى انهم اصبحوا خبراء في الانتظار، فالكل ينتظر، الشعب ينتظر ان توفي الحكومة بوعدها، والحكومة تنتظر ان توفي الكتل السياسية بتعهداتها، كما انها (الحكومة) في بعض الاحيان تنتظر الضوء الاخضر من القوات الامريكية لتنفيذ مهامها وخاصة الامنية منها.
وتراكمت خبرة العراقيين في الانتظار خلال السنوات الخمس الماضية من خلال الوقوف يوميا ولعدة ساعات في طوابير طويلة لمليء خزانات سياراتهم بالبنزين ، الى الوقوف قرب نقاط التفتيش لوقت طويل قبل العبور منها، او الوقوف في طوابير للحصول على جواز سفر من الطبعة الجديدة، الى الانتظار حتى تنقضي ساعات حظر التجوال الليلي ليبدأ الصباح ومعه رحلة جديدة من الانتظار.
ويقول شيخ عراقي يبلغ من العمر 71 سنة "اجمل شيء ننتظره هو اليوم الذي لانرى فيه الدبابات والآليات الامريكية في شوارعنا ، ولا نسمع اصوات الانفجارات او الرصاص، ولانسمع اخبار الموت والجثث التي تلقى في مكبات النفايات كل يوم"، ثم يسكت للحظات ويخرج سجارة من علبة دخان وضعها في جيب بدلته الداكنة ثم يسحب نفسا طويلا وينفث الدخان بشدة علامة على الغضب،ونحن ايضا ننتظر ماذا سيقول، وواصل حديثه قائلا "يبدو ان هذا اليوم الذي سيطول انتظاره ويدفع ثمنه العراقيون يوميا دون مقابل، هو الانتظار المر حقا، والذي نتمنى ان نراه في اقرب وقت ممكن".
وثمة انتظار آخر يعيشه العراقيون المهجرين سواء في الخارج او الداخل بعد تلقيهم تهديدات على اساس طائفي بالرحيل او الموت، فهم ينتظرون ويعدون الساعات ويتمنون ان يتحسن الوضع الامني لكي يعودوا الى منازلهم التي تركوها تحت تهديد السلاح،للحفاظ على ارواح ابناءهم.
ويرى المراقبون ان العراقيين تعلموا الانتظار منذ عدة عقود، فهم انتظروا حتى تخلصوا من الاحتلال البريطاني ثم بعد عدة عقود انتظروا نهاية الحرب مع ايران ثمانية سنوات، ثم نهاية العقوبات الاقتصادية 13 سنة، وينتظرون حاليا انسحاب القوات الامريكية ، وتمر الايام والاسابيع والاشهر والسنوات على العراقيين وهم يمارسون الانتظار مجبرين، ويخرجون من انتظار ليدخلوا في نفق مظلم اخر من الانتظار لكن ذلك كله يكسبهم الخبرة في الانتظار.
وللمرأة العراقية حصة في الانتظار ،فهي تنتظر مجيء الكهرباء حتى تغسل ملابس اطفالها وتقوم بالاعمال المنزلية الاخرى التي تعتمد على التيار الكهربائي، واثناء ذلك فهي ايضا تمارس الانتظار ، حيث انها تنتظر عودة اطفالها من المدرسة سالمين دون ان تفتك باجسادهم الطرية عبوة ناسفة او سيارة مفخخة او شخص طائش يفجر نفسه، اضافة الى انتظارها لعودة زوجها او اخيها او احد افراد اسرتها الاخرين.
وقالت هيفاء حسين (35 سنة) تعمل ربة بيت "امارس الانتظار منذ ان استيقظ صباحا الى ان اخلد الى النوم مساء، انتظر الكهرباء متى تأتي حتى اقوم بغسل ملابس اطفالي، وانتظر عودة اطفالي بعد ذهابهم الى المدرسة، وانتظر زوجي الذي يذهب الى العمل، كما انتظر تحقيق الامن وانتظر توفير الخدمات، وانتظر كل شيء حتى اني اصبحت خبيرة في الانتظار" وتمضي قائلة بطريقة ساخرة "لو ان هناك معاهد وكليات تدرس الانتظار لاصبح جميع العراقيين اساتذة فيها لانهم كسبوا خلال السنوات الخمس الماضية خبرات متراكمة في الانتظار وبامكانهم اعطاء دروس قيمة فيه".
ولام ياسر قصة مع الانتظار العراقي ، فهي تنتظر كل صباح ومساء ابنها المعتقل ليطل عليها لكي تكحل عينها برؤيته، والذي اعتقل قبل نحو عام لا لذنب اقترفه، وانما القدر ساق شخصا تلاحقه القوات الامريكية وقفز الى حديقة دارهم ثم ولى هاربا.
وتقول ام ياسر ابني مهندس ويعمل في دولة الامارات العربية وقد حضر قبل ايام قلائل من اعتقاله، اني انتظر واعد الساعات والدقائق حتى اراه، وقد استعاد حريته التي سلبت منه ظلما وغدرا، انه الهواء الذي اتنفسه والماء الذي اشربه،انتظر بفارغ الصبر ان يعود ولدي، ومثل ام ياسر آلاف الامهات اللواتي ينتظرن بفارغ الصبر اطلاق سراح اولادهن من غياهب السجون والمعتقلات العراقية والامريكية. والشباب العراقي ايضا يمارسون الانتظار لتحقيق احلامهم ويقول الشاب حيدر عبدالامير (25 سنة) "انتظر منذ اكثر من ثلاث سنوات بعد تخرجي من الجامعة، ان احصل على فرصة عمل تناسب مؤهلاتي العلمية، ولكني كلما تقدمت الى مؤسسة يأتيني الجواب "انتظر"،مضيفا "انتظر ان تعود ايام بغداد الجميلة، فمنذ خمس سنوات لم نتمكن من السهر في مطعم اوديسكو في مدينتنا، وانتظر ايضا ان يتحسن الوضع الاقتصادي حتى اتزوج واشكل عائلة، واتمنى لهم ان لايمارسوا محنة الانتظار كما امارسها اليوم في كل جوانب الحياة".
اما العراقيون الذين يحاولون الفرار من محنة الانتظار الى خارج البلاد، فانهم يبدأون رحلة انتظار جديدة، وهي الحصول على سمة الدخول (الفيزا) وبعد ذلك يدخول في انتظار اخر هو حصولهم على تذكرة السفر في الموعد المناسب، وثمة انتظار آخر ينتظرهم، هو العودة الى بلادهم ولكن متى وكيف؟! وهذا السؤال يحتاج ايضا الى انتظار للاجابة عليه.
ويرى الخبراء في علم النفس ان الانتظار الذي تعوده العراقيون غير كثيرا من ملامح شخصياتهم، فجعلهم يركنون الى الامل والحلم اكثر من الواقع ومعايشته، ليس لانهم حالمون بل لان الانتظار عودهم على انتظار اللاشيء. (شينخوا)