شهدت محافظة الانبار العراقية تحولا كبيرا خلال السنوات الخمس الماضية، فبعد ان كانت راعية لتنظيم القاعدة، فهي اول من طردته، وبعد ان كانت اخطر محافظة في العراق تحولت الان الى محافظة مستقرة وآمنة نسبيا والحياة بدأت تدب فيها بكافة جوانبها، وقد تشكل مفتاحاً لحل المشكلة العراقية.
البداية كانت حين بدأ المقاومون العراقيون بعمليات لإستهداف قوات الإحتلال الامريكي ومعهم إصطف البعض من المقاتلين العرب ممن إستهوتهم مقاتلة "العدو" ومحاولة تدميره وإلحاق الهزيمة به على أرض العراق، تلك العمليات التي توجت بمعركتي الفلوجة الأولى والثانية.
وإذا بالمقاوم يظهر كأنه فوهة بركان لم يحسب له بدقة ليقهر أعداءه شيئاً فشيئاً حتى وإذا به يغير من تكتيكاته وأساليبه في القتال حتى لا يكاد يمر رتلاً أمريكياً دون أن ينال صفعة من مقاوم لتأخذ المعركة شكلاً آخر وسيناريو يفرضه المقاوم لا المحتل.
وتتواصل معادلة التغيير حتى يفرض المسلحون سيطرتهم على أرجاء المحافظة الأكبر في العراق، لتجتذب المزيد من المسلحين وإن كانوا من دول عربية أو حتى أجنبية وتفقد جميع القوى الأمنية من جيش وشرطة مكانها ونفوذها ودورها في حفظ الأمن بل وحتى المواقع والأبنية التي كانت تأويها، لم يجرأ بعدها عنصر من أفراد الجيش أو الشرطة حتى على إرتداء بزتهم العسكرية النظامية، ومعها كل المؤسسات الحكومية وجميع أشكال العمل والخدمات.
إلاّ أن الحال الذي إتخذ في البدء شكل الجهاد ومقاومة المحتل بدأ يتجه إلى مسارات أخرى بعد أن تحولت الأرض من مقاتلة المحتلين إلى ساحة لمقاتلة الأخوة من أبناء الجلدة الواحدة بعد أن تداخلت الأوراق بصورة لم تألفه المحافظة التي قطعت إلى حد العزلة عن محيطها المحلي والإقليمي، بعد أن فازت بلقب المكان الأخطر في العراق سواء على المحتل أو على العراقي الذي قد يتهم بالعمالة للمحتل أو إنه من أبناء طائفة (كافرة) على حد وصف المسلحين الذين زرعوا الأرض بالجثث والمقابر الجماعية مثلما زرعوها بالعبوات الناسفة والمفخخات والأحزمة الناسفة.
إزدحمت هذه المؤثرات لتثير ما يشبه انتفاضه شعبية تلقائية على تنظيم القاعدة على حد وصف الشيخ عبد الستار أبو ريشة الذي قادها مع عدد من شيوخ العشائر في تجمع عشائري أطلق عليه (ثوار الأنبار)، ثم توسع التجمع بعد حين الى تشكيل أطلق عليه (مجلس إنقاذ الأنبار) لمقاتلة جميع التنظيمات المسلحة والعودة بالمحافظة إلى أجواء الهدوء والإستقرار التي كانت تنعم به.
وتحقق الهدف بعد أشهر من إنطلاقتها، في إنجاز كان وقعه بمثابة المعجزة التي غيرت مجرى الأحداث ليس في الأنبار فحسب بل في أرجاء واسعة من العراق حيث أضحت الصحوات ظاهرة يحتذى بها ، لا سيما بعد انتشارها خارج محافظة الأنبار الى مناطق العراق الاخرى، تحت اسم جديد هو (مؤتمر صحوة العراق ) وهذا بدوره أعلن عن تشكيل كيان سياسي يتجه للدخول في العملية السياسية باسم حركة (صحوة العراق الديمقراطية) التي يرأسها اليوم أحمد أبو ريشة.
ولم يدع الرئيس الأمريكي جورج بوش ذلك التغيير دون محاولة تسخيره للخروج من تداعيات وإخفاقات المأزق العراقي ، فكانت زيارته للأنبار ولقاءه مع الشيخ أبو ريشة الذي ظلت التنظيمات المسلحة بقيادة القاعدة تحفظ له دوره في طردها من المحافظة وتتوعد بالإقتصاص منه، وكان لها ما أرادت بعد مرور تسعة أيام على الزيارة التي وضفت لأغراض دعائية قد تسهم في الحد من الضغط الشعبي للإنسحاب من العراق بعد أن سجلت المحافظة أكبر عدد من الخسائر للقوات الأمريكية.
واليوم تشهد المحافظة عهداً جديداً من الإستقرار النسبي بعد طرد عناصر تنظيم القاعدة من أهم موطن لهم وقض مضاجعهم الآمنة وتطور الخبرات القتالية لقوات الشرطة بعد سلسلة من العمليات التي أكسبتها الثقة للتعامل مع الأحداث في مقابل ذلك تطوع عشرات الآلاف في صفوف قوات الصحوة وما يقارب من ( 25 ) ألف متطوع في صفوف الشرطة.
غير أن عصر الإستقرار بات بمواجهة جملة من المخاطر المحدقة به مع محاولات تنظيم القاعدة لإعادة تنظيم صفوفه من جديد والبحث عن موطئ قدم والبدء بإتباع تكتيكات جديدة أهمها إستخدام الأطفال في عمليات تفجير إنتحارية لزعزعة إستقرار المحافظة، وإزدياد حالة التنافس والتناحر الداخلي بين القوى السياسية التي يسعى كل منها لتجيير النصر المتحقق لصالحه من اجل تحقيق مكاسب سياسية.
وقال ليث الدليمي الأستاذ بجامعة الأنبار أن محافظة الأنبار تشكو اليوم من تصارع للنفوذ الذي تمتلكه القيادات السياسية والعشائرية في المحافظة، ونأمل أن تتم معالجة أي خلاف في إطار من الوطنية الحقة، لا سيما أن بلدنا يحتاج إلى تظافر كل الجهود لطرد المحتل، ولا نتمنى أن نرى الميليشيات وهي تتصارع من أجل الإستئثار بمكاسب على حساب الشعب.
ومع النقص الواضح في الخدمات والسير المترهل لعجلة البناء وإعادة الإعمار، يبرز إلى السطح تحدٍ آخر مازال المواطن يدفع ثمنه بعد أن دفع سنوات من القتل والخوف والدمار وعدم الإستقرار، هو الاستمرار في تحسن الامن، حيث يتطلع اهالي الانبار الى أن تنتهي مع نهاية العام الخامس بعد الحرب جميع آلامهم ومعاناتهم وأن يسود الهدوء والإستقرار ديارهم. (شينخوا)