نشرت " صحيفة الشعب اليومية " فى طبعتها الدولية الصادرة اليوم / الثلاثاء /9 ديسمبر الجاري/ تعليقا معنونا ب " كيفية حصد القرصنة فى الصومال " . وفيما يلى نصه الكامل :
اثارت القرصنة الشرسة فى الصومال الشرسة صدمة ودهشة العالم باسره وعليه وافق مجلس الامن الاممى على قرار بفرض العقاب عليها كما ارسل عدد ليس بالقليل من الدول السفن الحربية لضربها .... ولكن ذلك يعتبر بمثابة وصفة دواء تعالج الظاهرة السطحية فقط ولا الباطنية اطلاقا ونتيجته تدعو الى التشكك حسب ظن كاتب التعليق.
وولدت القرصنة فى الصومال و تحولت فى ظروف اجتماعية خاصة . وقد اطيح نظام حكم سياد برى يناير 1991 مما اوقع الصومال فى اوضاع تقاتلية بين امراء الحرب وفى حالة فوضوية " مطلقة الحرية " مما جعل دولتها تبقى بلا حكومة ولا ادارة من اليابسة الى المحيط . وفى وجه هذه الاحوال انبرت سفن اجنبية غير ملتزمة بالضوابط القانونية لتتحين الفرص للقيام باعمال السلب والنهب وبصيد السمك فى المياه العكرة . واصبحت هذه السفن تقوم بالصيد والانتشال فى المياه الساحلية الصومالية كما تشاء فعادت حاملة معها ما هو المملوء وذلك لان هناك الانتاج الوافر من سمك التن / سمك الطونة / من المنتجات البحرية الثمينة كما انها تنقل المواد الضارة والملوثة للبيئة الى المياه الساحلية لتصبها هناك كما يحلو لها فى حالة خالية من اية مراقبة وادارة .وفى هذه الحالة الملحوظة قام الصياد الصوماليون عن طواعية بتنظيم انفسهم ل" تنفيذ القانون " وفرض العقوبة على تلك السفن الاجنبية وحماية المصلحة البحرية لبلادهم الخاصة وهذا هو مصدر القرصنة فى بداية الامر.
وان الوقائع القاسية ممثلة بنيران الحرب المتواصلة ومعيشة الشعب التعسة اجبرت الصالحين على ان يكونوا قراصنة حتى اجبرت بعضا منهم على ركب الخطر فى حالة اليأس لينضم الى صفوف القراصنة . وكلما كان كاتب التعليق يغادرالفندق الذى كان نزل فيه لمهمة التغطية الاخبارية قبل 4 سنوات مضت كان تحت حماية رجال الامن المدججين بالسلاح . وحينما قام بالتقاط الصورة لاولئك رجال الامن من الشباب بالكاميرا لوحوا بايديهم جميعا قائلين بصوت واحد " ان نيتنا فى الاصل هى الا يرغبوا فى هذا العمل الا فى سبيل كسب الرزق وعندما تحقق السلام فى بلادنا فاننا سنكون لم نعد نقومون بهذا العمل". ورجال الامن فى وجه اليابسة والقراصنة فى سطح البحر ولكن الحالة النفسية لهاتين الفئتين واحدة رغم الفارق بين مصالحهما .
وان اغراء المصلحة الطائلة ونمط الحياة البيروقرالطية الجديدة يجتذبان بعضا من الشبان بشدة الى ركوب السفينة القرصنية لتحويلهم الى قراصنة . وان مدينة بوساصو المينائية فى مقاطعة بانغتلان المتمتعة بشبه الحكم الذاتى بشمال الصومال هى التى تعد مكانا للفعاليات النشطة للقراصنة . وتحدث تاجر محلى عنهم قائلا : " ان تصرفاتهم مثيرة للغاية متمثلة فى انهم يقودون سيارات العداء الفاخرة ويستخدمون اجهزة الهواتف الخلوية والكمبيوتر ذات الاسعار الباهظة ويسكنون المنازل الفخمة الواسعة اضافة الى تزوجهم من الجميلات ." ومعنى ذلك هو ان القرصنة هى مهنة للربح الفاحش . وعليه كان ولا يزال بعض من الشبان يتنافس على الحياة البيروقراطية المبهرة التى يعيشها اقرانه .
واجهزة الاتصالات الحديثة والاسلحة والاعتدة المتقدمة , كلها تمكن القراصنة فى الغالب من الفوز بالانتصار الكامل والدائم على نحو مباغت يثلج صدورهم الامر الذى من شأنه ان تعظم كتائبهم قوة باطراد. ولديهم البنادق الاوتوماتيكية وخراطيش القذائف الصاروخية المضادة للدبابات والنظم الكونية لتحديد المواقع و الهواتف الفضائية حتى الرادارات. وليس ذلك فحسب بل يقودون ايضا " السفن الام " المجهزة بسفن الصيد الجاهزة الاصلاح وبذلك اصبح فى استطاعتهم ان يشنوا الهجمات باليخوت على متن سفنهم وفى حالة من الاختفاء الشديد جدا مما يجعل هدف الهجوم يصبح سمكا فى شبكة صيد على نحو غير متوقع .
وان النظام الاجتماعى غير الطبيعى و نمط الحياة المنقلب المتمثلين فى الحالة الفوضوية فى اليابسة وغياب الادارة البشرية فى سطح البحر وغياب الاهتمام ب" عصر اليوم هو اى عام "
للحياة الترفة , كلاهما يحفز كتائب القراصنة الى ان تتعاظم مثل ان كرة ثلجية تكبر كلما تتزحلف. وحسب منظمة مساعدة البحارة الشرق افريقية تجاوز اجمالى عدد القراصنة فى الصومال 1100 قرصان فى الوقت الحاضرمقابل اكثر من 100 قرصان فقط عام 2005 واما عدد حوادث الهجوم التى قاموا بها ضد المراكب والسفن فى المياه الاقليمية الصومالية فقد بلغ 95 حادثة هذا العام حسب احصائيات مصلحة الحوادث البحرية الدولية وغيرها وهى تعادل 3 اضعاف ما حدث فى العام الماضى ومنها تم اختطاف 39 سفينة . ومن المفروض ان يبلغ اجمالى حجم الفدية التراكمية حصيلة القراصنة 30 مليون دولار امريكى .
وخلص التقرير الاخبارى الى القول بان ظاهرة القرصنة فى الصومال هى فى حاجة الى الكنصولتو العالمى . واشار احد الخبراء فى القضايا الصومالية الى ان المبالغ المالية الطائلة التى انفقتها الدول المختلفة على ارسال السفن الحربية وانقاذ البحارة بالفدية لهى " عقاب " فى صورته الاخرى بالضبط جراء غض نظرها على مدار سنوات عديدةعن فوضى الحرب التى تدور رحاها فى الصومال . ومشكلة القرصنة جذورها لا تبقى فى سطح البحر بل تبقى داخل الصومال بحيث لولا سلام واستقرار هذه البلاد ولا ان يعيش شعبها فى اطمأنينة ويعمل بارتياح فلا يمكن ان تستأصل شأفة مشكلة القرصنة طبيعيا فى سطح البحر. وان تنسيق الاطراف المتعددة وبذل الجهود المشتركة , ذلك هو المخرج الوحيد لحل نهائى لهذه المشكلة . والا فان فعاليات الضرب المتشابهة باسلوب علاج الرأس اذا وقع الوجع فيه او علاج القدم اذا وقع الوجع فيها , اصبح من الصعب عليها حقا ان تحل المشكلة من جذورها ولا يمكنها ان تجد فاعليتها الطويلة الاجل .
/ صحيفة الشعب اليومية اونلاين/