انفجرت من جديد اشتباكات مسلحة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي بعد هدوء نسبي دام نصف سنة بينهما. وفي يوم 27 ديسمبر الحالي، قامت طائرات مقاتلة ومروحيات مسلحة اسرائيلية بالغارات والقصف الصاروخي على قطاع غزة، مما أدى الى مقتل وجرح أكثر من 1000 فلسطينى منهم مسؤول عسكري كبير في حركة ( حماس ) حتى الآن.
لماذا أنزلت اسرائيل ضربات شديدة بحركة حماس؟ ترى وسائل الاعلام الشرق أوسطية أن أسرائيل قامت بهذه الضربات انطلاقا من ثلاثة اعتبارات:
أولا، شن ضربات ثأرية ضد الهجوم الصاروخي من حركة حماس. ففي يونيو الماضي، توصلت الطوائف الفلسطينية برئاسة حركة حماس مع اسرائيل الى اتفاقية وقف اطلاق النار لمدة نصف سنة، وانتهت هذه الاتفاقية في أواسط ديسمبر الحالي. ومنذ ذلك الوقت، أخذت الاشتباكات بين فلسطين واسرائيل تتصاعد. وقال الجانب العسكري الاسرائيلي إن حركة حماس قد أطلقت مئات الصواريخ الى داخل حدود اسرائيل منذ يوم 18 ديسمبر الجاري. فلا بد لاسرائيل أن تقوم بهجوم معاكس على ذلك لضرب " الغرور الارهابي ".
ثانيا، انطلاقا من حاجة السياسة الداخلية. ففي بداية العام المقبل، ستجري الإنتخابات العامة في اسرائيل. وتشتد المنافسة على رئاسة الحكومة الاسرائيلية. وظل زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو وآخرون يتهمون الحكومة الاسرائيلية بـأنها " ضعيفة "، ويري عدد ليس بالقليل من أعضاء حزب كاديماه ( فوروارد ) الاسرائيلي أن إيهود أولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي هو " عاجز "، فيواجه أولمرت ضغوطا كبيرة جدا. أما الضربات الجوية الشديدة المذكورة على قطاع غزة فجاءت نتيجة الضغوط من مختلف الأطراف. وبفضل ذلك وحده، يستطيع أولمرت أن ينتصر على منافسات حزب الليكود والأحزاب الأخرى حتى كسب الانتخابات العامة. إلا فسيخسر الانتخابات في مستهل العام المقبل كما أظهرت نتيجة الاستفتاء الشعبي.
ثالثا، استخدمت اسرائيل الفراغ في فترة تسليم وتسلم السلطة في الأوساط السياسية الأمريكية. فحاليا يكون الرئيس الأمريكي جورج دبليو. بوش على وشك الانعزال عن منصبه، بينما أن الرئيس الأمريكي المنتخب باراك حسين أوباما لم يتسلم منصبه بعد. ورأت اسرائيل أن هذه الفترة الخاصة هي أفضل فترة للقيام بهجوم على حركة حماس. ففي يوم 24 ديسمبر الحالي، وافقت الوزارة الاسرائيلية على قيام جيش الدفاع الاسرائيلي بضربات ضد الأهداف العسكرية والسياسية لحركة حماس في قطاع غزة.
وفي هذه المرة، تبنت اسرائيلي أيضا تكتيك " الحرب الخاطفة "، فكانت الطائرات العسكرية من كافة الانواع تشارك في القتال المنسق في آن واحد تقريبا، اذ قصفت بصورة عشوائية قرابة 50 هدفا في قطاع غزة، مما أسفر عن خسائر فادحة بين القتلى والجرحى. ولكن من ناحية الفعالية الواقعية، فمن الصعب جدا أن تحقق اسرائيل هدفها في القضاء على حركة حماس. أولا، من الحتمي أن يثير العدد الكبير من القتلى والجرحى استياء وتنديدا شديدين من المجتمع الدولي، كما يطلب بعض الدول العربية عقد قمة عاجلة لمناقشة الوضع. وأفادت التقارير أن جامعة الدول العربية ستعقد اجتماعا طارئا في يومين مقبلين لدراسة إجراءات المجابهة.
ثانيا، تتضامن حركة حماس بصورة غير مسبوقة أمام القتلى والجرحى، ولقيت مزيدا من التأييد الشعبي والأنصار، الأمر الذي يناقض الرغبة الأصلية لاسرائيل. وبعد الضربات الجوية الاسرائيلية، أصدرت حركة حماس بيانا تدعو فيه العسكريين التابعين لها وأنصارها الى شن أشد عمليات ثأرية ضد اسرائيل بشتي الوسائل. وترتفع معنويات أعضاء حماس، فأقسموا على ضرب اسرائيل على نحو " السن بالسن " لتحويلها الى " جحيم من الدماء ". وحتى أن حركة فتح تقف أيضا الى جانب حركة حماس، وتتضامن معها بعد تعرضها لهجوم وضربات مبرحة. وأعلنت الحكومة المؤقتة الفلسطينية " أيام الحداد " لمدة ثلاثة أيام تعبيرا عن الحزن العميق على الفلسطينيين التي قتلوا في الغارات الجوية الاسرائيلية. ومن الأخطر أن تتورط فلسطين واسرائيل مرة أخرى في الحلقة المفرغة لدورة العنف اذا تفاقم الوضع وفقدت السيطرة عليه، مما سيضيع عملية السلام في الشرق الأوسط.
يشار الى أن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي قد صار " مرضا شديدا مزمنا " في وضع الشرق الأوسط. وحاليا عاد يبرز إتجاه الاشتباكات بينهما ويتطور بصورة مقلقة. ودلت الممارسات العملية على أن استخدام القوة ليس طريقة لحل التناقضات على الإطلاق، وأن تحقيق السلام من خلال المفاوضات هو المخرج الحقيقي لحل كافة المشاكل.
/ صحيفة الشعب اليومية أونلاين /