بكين   مشمس 5/-6 

تعليق: الجيش الأمريكي يعود "سرا" إلى العراق

2012:11:28.15:08    حجم الخط:    اطبع

صحيفة الشعب اليومية – الصادرة يوم 28 نوفمبر عام 2012 – الصفحة رقم 21

 ذكرت "شبكة الأخبار العربية" في 27 نوفمبر الجاري، أن منطقة كركوك العراقية شهدت في ذات اليوم عدة عمليات تفجير بسيارات مخخة، خلفت 38 قتيلا. ما مثل جرس إنذار للوضع الأمني العراقي من جديد. في ذات الوقت تداولت عديد التقارير الإعلامية في الشرق الأوسط عن عودة آلاف الجنود الأمريكيين سرا إلى العراق. في حين رأت العديد من التحليلات الإخبارية، بأن النية الإستراتيجية من عودة الجيش الأمريكي إلى العراق هي المحافظة على الأمن، ومقاومة الإرهاب، وتدريب الجيش العراق، وتهديد إيران، أو حتى التدخل في سوريا.

السفير الأمريكي بالعراق يعترف بعودة الجيش الأمريكي إلى العراق

وفي اتصال هاتفي اجرته صحيفتنا مع المكتب الإعلامي لوزارة الدفاع الأمريكية يوم 27 نوفمبر الجاري، للإستفسار حول الخبر المتعلق بـ "3000 جندي أمريكي يعودون إلى العراق". نفى المسؤول بالمكتب الإعلامي بيل سبيكس وجود 3000 جندي أمريكي داخل العراق، وقال أنه من انسحاب الجيش الأمريكي نهاية السنة الماضية، بقي في العراق قرابة 200 جندي أمريكي لـ "التعاون الأمني" مع الجانب العراقي.

وكان السفير الأمريكي بالعراق روبرت بكروفت قد اعترف بعودة جزء من الجيش الأمريكي إلى العراق، خلال تصريح صحفي إلى الإعلام العراقي، وقال أن الهدف من ذلك هو تدريب الجيش العراقي. وهذا قد يعد احدى الذرائع التي تتخذها الولايات المتحدة للعودة إلى العراق. في حين أشارت تحليلات اخبارية عراقية إلى أن ارسال 3000 جندي أو أكثر لتدريب الجيش العراقي يعد تقريبا "..."

عدة التفكيرات الاستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط

بالنسبة للحكومة الأمريكية، كان انسحابها من العراق في نهاية عام 2011 "انسحابا عاريا" واجراء تم اتخاذه على مضض. لأن الموقع الإستراتيجي للعراق المجاور لإيران وسوريا يجعل أمريكا يعز عليها المغادرة. لكن الجانب العراق يصر على عدم منح الجيش الأمريكي حصانة قانونية للبقاء في العراق، لذا على أمريكا أن تتخلى فكرة ابقاء 5 آلاف إلى 10 آلآف جندي في العراق. في ذات الوقت، شهد الوضع العراقي استمرار التدهور الأمني خلال عام 2012 إلى جانب تواصل الصراع الطائفي وتوسع الخلافات بين الحكومة المركزية والأقاليم، وتواصل التفجيرات الإرهابية. وفي ظل هذا الوضع، لم تتوقف التخمينات بعودة الجيش الأمريكي إلى العراق. ويرى بعض المحللين بأنه مع تزايد الخلافات الداخلية في العراق، وعدم وضوح المشهد السوري وعدم التوصل إلى حل بشأن الملف النووي الإيراني، يعكس قرار أمريكا برفع عدد جنودها في العراق تعدد الحسابات الإستراتيجية الأمريكية بشان منطقة الشرق الأوسط. من جهة أخرى، تعد معالجة الخلافات العراقية الداخلية، والمحافظة على الإستقرار السياسي، وضرب "القاعدة" وبقية القوى الإرهابية، واستعادة النظام في العراق أهم الأسباب التي دفعت الجيش الأمريكي للعودة إلى العراق.

إلى جانب استهداف الوضع العراقي، تسعى امريكا من خلال رجوعها إلى العراق إلى تعزيز قوة تهديدها وشعور وجودها داخل منطقة الشرق الأوسط. وبالنظر من المكانة الجغرافية، تحد العراق سوريا من الغرب، وايران من الشرق، مايجعل مكانتها الإستراتيجية بالغة الأهمية. في حين أن الأزمة السورية والملف النووي الإيراني يمثلان هاجسا كبيرا بالنسبة للولايات المتحدة، وترى أنها لاتهنأ إلا بعد الإطاحة بحكومتي البلدين. وبعد فوز الرئيس أوباما بولاية ثانية، صعدت بعض الشخصيات السياسية الامريكية ضغط الرأي العام على الحكومة الأمريكية للتدخل في الوضع السوري، حيث يرون بأن ضمان حكومة سورية مقربة من الغرب يكتسي أهمية كبرى بالنسبة للمصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة. من جهة أخرى، اصبحت مشكلة كيفية مواجهة الملف النووي الإيراني أحد الهواجس التي تؤرق واشنطن، حيث يرى بعض المحللين بأن الملف النووي الإيراني يعد احد أكبر الهواجس الدبلوماسية لأوباما.

 وترى بعض التحليلات، أن أمريكا بإمكانها تحقيق هدفين آخرين هامين عبر ارجاع جنودها إلى العراق: أولا، الإعداد لتدخل عسكري في سوريا. ومن الوضع الحالي يمكننا ملاحظة خشية الحكومة العراقية من أن تتحالف العناصر العراقية المسلحة مع القوى المتطرفة في سوريا، والقيام"بحرب على جبهتين من أجل حكم السنة، وهو ما وفر فرصة لعودة الجيش الأمريكي إلى العراق. وبالنظر من زاوية تموقع الجيش الأمريكي في الوقت الحالي، فقد تمركز في القاعدة العسكرية بمحافظة الأنبار التي تبعد 100 كلم فقط عن الحدود السورية. مايسهل سرعة انتشار الجيش الأمريكي في صورة وجود حاجة لتدحل عسكري. ثانيا، التهديد المسلح لإيران، نظرا لعدم خروج المفاوضات حول الملف النووي الإيراني بنتائج، والتهديدات الإيرانية المتكررة بغلق مضيق هرمز. لذلك، فإن الجيش الأمريكي المتواجد في العراق، إلى جانب مواجهته للأزمة السورية على الخط الغربي، سيكون على أهبة الإستعداد لمواجهة إيران على الخط الشرقي. وبالنظر من هذا الجانب، فإن عودة الجيش الأمريكي إلى العراق تعد خطوة هامة في الإستراتجيية الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط.

هاجس استراتيجي كبير

في الوقت الذي تتداول فيه وسائل الإعلام الشرق أوسطية العديد من التقارير حول عودة الجيش الأمريكي إلى العراق، يلزم الجانب الرسمي والإعلام الأمريكي الصمت، وفي ذات الوقت لايمكنه الإنكار، وهو ما يعكس القلق الإستراتيجي الكبير الذي تشعربه الولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط.

لكن قبل ذلك، رأينا كيف تم تحويل اهتمام الناس عن العراق خلال الإنتخابات الرئاسية الأمريكية. وقد اتخذ أوباما من الإنسحاب الكلي من العراق احد الأوراق السياسية أثناء الحملة الإنتخابية. لكن، بعد الهجوم الذي تعرضت له السفارة الأمريكية في بنغازي، ومع تدهور الوضع الأمني في العراق، وتواصل الصراع في سوريا وإحتدامه بين الفلسطينيين والإسرائليين، ومع اضطراب الوضع السياسي في مصر، واستمرار المواقف الإيرانية المتصلبة، تعرضت سياسة إدارة الرئيس أوباما في الشرق الأوسط إلى تشكيك قوي.

ظلت استراتيجية أوباما في الشرق الأوسط دائما بوجهين، وقد أثبتت التجربة أن أمريكا في الوقت الذي تسعى فيه إلى القيام بتسوية سلمية مع العالم العربي، لم تتخل عن عادة استعمال القوة العسكرية، والإختلاف الوحيد يكمن ربما في توجه العمليات العسكرية إلى السرية بدلا عن العلنية، والدليل على ذلك هو تكثيف استعمالها المهام السرية التي تقوم بها الطائرات بدون طيار، وفرق العمليات النوعية في كل أنحاء العالم.

لقد ادت حرب العراق إلى مصرع 4487 جندي أمريكي وجرح 32226 آخرين. أما الخسائر البشرية في الجانب العراقي لايمكن إلا وصفها بـ "أعداد لاتحصى" في ظل عدم توفر أرقام دقيقة. والآن، ومع عودة أشباح الجنود الأمريكيين إلى العراق، ورغم نية السيطرة على الوضع العراقي، ومجابهة سوريا وايران، إلا أن التاريخ قد أثبت من زمن، بأن الإيمان العجائزي بالقوة العسكرية نهايته الفشل.

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/

تعليقات