بكين   24/15   غائم

تعليق: النظر إلى "القوى" الستة للحاكم من خلال تغيرات المشهد السياسي الأوروبي

2012:05:08.15:11    حجم الخط:    اطبع

صحيفة الشعب اليومية – الصادرة يوم 8 مايو عام 2012 – الصفحة رقم 03

بعد منافسات محتدمة بين المرشحين إنتهت أخيرا الإنتخابات الفرنسية وأسفرت نتائجها عن فوز المرشح الإشتراكي أولاند على المرشح اليميني لحزب الوحدة من أجل الحركة الشعبية الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي. لكن قبل ذلك حدث تغيير في الحكومات أيضا في كل من إسبانيا وإيطاليا والبرتغال إلخ.

أثارت أزمة الديون السيادية الأوروبية عواصف قوية وأصبحت إمتحانا عسيرا بالنسبة للساسة الأوروبيين. حيث من الواضح أنه في ظل محافظة الدولة على الإستقرار الشامل يصبح العامل الإقتصادي هو القوة الأهم التي توجه الإنتخابات. لأن الآداء الإقتصادي لا يحدد فقط الإمتيازات الإجتماعية ومؤشرات السعادة بالنسبة للناخب بل يتعلق مباشرة بثقة الناس بمستقبل نمو البلد. ولهذا بالضبط، ليس هناك حزب سياسي له وعي ضعيف بـمسألة "النمو الإقتصادي". ولذلك فإن "نجاعة السياسات" و"الدورات الإقتصادية" قد أصبحتا أمرين لهما الكلمة الفصل في تحليل الربح والخسارة في معركة الإنتخابات.

التحليل وفقا لهذا المنطق، لاشك بأن له أساسه من الصحة. لكن إذا نظرنا إلى ذلك من الطبقة الأعمق، فإن التغيرات التي يشهدها المشهد السياسي الأوروبي لها علاقة مباشرة بقدرة الحكام الأوروبيين على التحكم الشامل في "القوى" الستة.

التحكم في المعلومات الشاملة، عبر إمتلاك فريق من الخبراء، حيث يجب على الحاكم أن لاتغيب عنه القدرة على الإدراك. لأن القدرة على الإدراك يمكن أن تساعد الإنسان على معرفة المشاكل البارزة في الآداء الإقتصادي، ثم المرور إلى البحث عن النظرية الإقتصادية المناسبة لمعالجة الداء. لكن، توقف قدرة الإدراك عند هذا المستوى، من الواضح أنه لايكفي أيضا. لأن مكامن القلق خلال فترة الإزدهار والمشاكل التي نتجه إليها تحتاج الإدراك ايضا. وإلى مدى كبير يمكن القول أن أزمة الديون السيادية الأوروبية كانت نتيجة لتخدر حدس الحكام الأوروبيين. وفي ظل ضخامة المنظومة الإقتصادية الحالية، يبقى الأجدر أن نبني نظرياتنا الخاصة وفقا للدروس الموجودة في الواقع، حتى في ظل وجود إقتصاديين بارعين. لأن الإقتصاد يبقى في النهاية علما تجريبيا.

كما هو معلوم للجميع، فإن نظام الإمتيازات الإجتماعية المتكامل يعد مصدر فخر الأوروبيين، وفي نفس الوقت يعد عبئا على الإقتصادات الأوروبية. وحتى مع ظهور المشكلة إلى السطح فإن المس بإمتيازات الناخبين يعد أمرا مليئ بالمخاطر. وليس بالنسبة لساركوزي فقط، بل هناك الكثير من الساسة الأوروبيين الذين أعرض عنهم الناخبون بسبب سياسات التقشف. والبنسبة لقوة الإدراك القادرة على معالجة المشاكل الواقعية، فإن عملية تحويل قوة الإدراك بعيدة النظر إلى تحرك فعلي تقتضي عزيمة أكبر.

وقد سبق للمستشار الألماني السابق غرهارد شرودر أن أظهر هذا النوع من العزيمة. ففي بداية القرن الحالي ومع بداية ظهور أزمة الديون السيادية الأوروبية، قاومت حكومة شرودر الضغوط وعملت على إصلاح نظام الإمتيازات الإجتماعية، وجعل الفرد يتحمل مسؤوليات أكبر، وتنشيط سوق الشغل، الأمر الذي زود ألمانيا بـ "جهاز خفض الصدامات" تجاه الأزمة. وهذا يعد العامل الأبرز الذي مكن ألمانيا من تفادي الصدمة الكبرى لأزمة الديون الأوروبية.

لكن نظرا لأن خطوات شرودر في هذا المجال كانت كبيرة فقد "تخلى"عنه ناخبوه. لأنه في النهاية يبقى المواطن العادي أسير وضعه المعيش، وليس هناك من يرغب في قطع حياته المرفهة والتأمل في الغيمة التي لم تأتي بعد. في حين يعد الرضاء الشعبي عصب الحياة بالنسبة للسياسيين. وفقدان كرسي الحكم لايعني نهاية الحياة السياسية للحاكم فقط، بل سيجعل السياسات الحكيمة تكون برأس دون ذيل.

إستمرار قوة التحرك مرتبط إلى حد كبير بالدفع الإجتماعي للحاكم، والحصول على صك أبيض من الجماهير لا يعد أمرا يمكن الحصول عليه ببساطة من خلال المناظرات الكلامية. وبالنسبة للمساندة الإجتماعية التي حظيت بها إصلاحات شرودر، فتعود من جهة إلى أن خطواته كانت بطيئة نسبيا، ومن جهة ثانية لها علاقة كبيرة بالعقلانية التي تتميز بها الشخصية الألمانية. ومن جهة أخرى، تعد الضغوط التي يواجهها الحكام الأوروبيين الآخرين أكثر حدة. كما نلاحظ ضعف قوة الساسة في مواجهة تراكم الثقافة القومية. وفي النهاية يبقى تقييم بطولة الساسة على أساس النجاح والفشل. واذا أراد الساسة تنفيذ إجراءات "غير مرحب بها" الى النهاية، يجب عليهم تقوية قوة الحشد المجتمعي.

مهما تكن صعوبة شرح المعادلة التي تشكلها قوة الإدراك وقوة الإرادة وقوة التحكم وقوة التحرك وقوة الحشد، فإن "المفتاح" يبقى في النهاية معلقا بقوة إيمان الساسة. هل يحكم من أجل الحكم، أم يحدد الإتجاه على أساس الحسابات الشاملة لمصالح الشعب الراهنة وطويلة المدى، وهذا الأمر يحمل في داخله قضية جوهرية. وفي ظل الوضع الإقتصادي الجيد، فإنه إذا لم يتم إجراء إصلاحات إستشرافية جريئة، فلا الحكومة السابقة ولا التي ستخلفها ستتمكن من مواجهة الأزمة الحقيقية عند حدوثها. تماما كما يقول المثل الصيني: من لا يفكر بعيدا، سيقلق قريبا.


/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/

تعليقات