بقلم ثريا لوه
بكين 30 يناير 2013 / في فصل جديد من قضية مستمرة، أعلنت كوريا الديمقراطية مضيها قدما في إجراء تجربة نووية جديدة وتعهدت أيضا باتخاذ "إجراءات ملموسة لتقوية رادعها النووي" ردا على تشديد العقوبات الأممية عليها، الأمر الذي اُعتبر تحديا صارخا للولايات المتحدة ودول الجوار وبات موضوعا ساخنا في مختلف المحافل الدولية.
وفي ضوء تصويت الصين لصالح قرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم2087 مثلما فعلت تجاه قرارين للمجلس بشأن كوريا الديمقراطية في عامي 2006 و 2009، يرى المحللون الصينيون أن الصين تؤكد من جديد موقفها الواضح حيال قضية شبه الجزيرة الكورية وأن لديها خط أحمر بشأن هذه القضية متمثل في دعوتها إلى نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة وتسوية النزاع عبر المحادثات وحماية مصالحها الجوهرية في المنطقة.
-- قرار أممي ينطوى على اعتبارات عميقة
وبشأن القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي حول كوريا الديمقراطية، أشار لي باو دونغ، مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، بعد تصويت الصين لصالح القرار الذي يطالب كوريا الديمقراطية بالإذعان التام لجميع قرارات المجلس ذات الصلة وعدم استخدام تكنولوجيا الصواريخ الباليستية في أية عملية إطلاق ، أشار إلى أنه كان نتاجا لعدة جولات من المشاورات بين جميع الأطراف ذات الصلة.
وأوضح السيد لي أن مشروع القرار الأولي لمجلس الأمن كان يحتوى على مضمونات وإجراءات عقوبية كثيرة رأى الجانب الصيني أنها ستؤزم الوضع وتعرقل الجهود الدبلوماسية وتضر باقتصاد كوريا الديمقراطية ومعيشة شعبها، وكذا ستؤثر على تجارة البلاد وتبادلاتها الطبيعية مع الدول الأخرى. وبعد أكثر من شهر من المشاورات المكثفة، الغيت هذه المضمونات في القرار الذي اعتمده مجلس الأمن مؤخرا.
وشرح الخبراء الصينيون أنه في هذه المرة بالذات، اكتسبت عملية اصدار مجلس الأمن الدولي قرارا بشأن كوريا الديمقراطية ملامح خاصة. أولا إن مجلس الأمن الدولي لم يصدر القرار إلا بعد 40 يوما من المشاورات، ما عكس مدى الحذر والصعوبة والخطورة التي اكتنفت محاولات الشد والجذب بين الدول ذات الصلة حول مضمونات القرار.
ثانيا، إن نص القرار تضمن تعبيرات تؤكد على حق كوريا الديمقراطية في الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، ما دل على موضوعية وإنصاف وقانونية موقف مجلس الأمن الدولي.
ثالثا، إنه رغم ما أوصى به القرار من تشديد للعقوبات على كوريا الديمقراطية، إلا انه لم يتضمن إجراءات قد تلحق ضررا بالغا بتنميتها الاقتصادية. وعلاوة على ذلك، لم تتغير الطبيعة "غير الملزمة" للإجراءات العقوبية، ما يتيح مجالا أمام تواصل المشاورات بين الدول ذات الصلة وكوريا الديمقراطية.
وعلى كل حال، عكست هذه الملامح الخاصة لهذا القرار الاعتبارات العميقة التي وضعتها الدول ذات الصلة في الحسبان عند صياغته واعتماده، وكشفت عن آمال كبيرة في خروج القرار بصيغة مناسبة تؤكد على ضرورة احترام القرارات الأممية ومواصلة الحوار ويكون لها انعكاسات بناءة على الوضع في المنطقة.
-- تجربة نووية تزعزع الهدوء في شبه الجزيرة
ومع إعلان كوريا الديمقراطية أن التجربة النووية المحتملة عالية المستوي تستهدف "عدوها اللدود" الولايات المتحدة، قال غلين ديفيز المبعوث الأمريكي الخاص لكوريا الديمقراطية إنها "ستكون عملا خاطئا إذا ما تم الأقدام على تنفيذها".
ويرى قوه روي، الاستاذ المساعد في قسم السياسات الدولية بمعهد الإدارة التابع لجامعة جيلين الصينية، أن اعلان كوريا الديمقراطية عزمها إجراء تجربة نووية ثالثة يأتى في الأساس ردا على القرار الأممي الأخير، لافتا إلى أن خلق أجواء معينة بهذه التجربة يساعد رئيسها الحالي كيم جونغ أون خارجيا على اظهاره في صورة "الرجل القوى" حتى لا تستخف به الولايات المتحدة التي تلقبه بـ "رئيس صعد إلى الحكم بالوراثة"، وداخليا على كسب المزيد من الدعم من الشخصيات القوية بالجيش الكوري الديمقراطي.
ومن جانبه قال دينغ قانغ، المحلل الكبير بصحيفة ((الشعب)) الصينية، إنه يتعين على كوريا الديمقراطية ادراك أن امتلاكها لسلاح نووي سيفاقم دون أدنى شك من وضع المواجهة في شبه الجزيرة الكورية ويزيد من عزلتها سياسيا واقتصاديا، وهذا لا يصب بتاتا في جوهر المصلحة الاستراتيجية للبلاد. ويضيف أنه ليس في مقدور أي دولة تحقيق التنمية بمعزل عن العولمة في العصر الحديث، وليس في مقدورها أيضا تحقيق أمن حقيقي دون الارتكاز على أسس تنمية اقتصادية قوية.
وأشار المحلل السياسي دينغ إلى أن التهديد الأمني الذي تواجهه كوريا الديمقراطية لا يأتى من الخارج فحسب بل من الداخل أيضا. ويضيف أن تحسين الاقتصاد الداخلي سوف يسهم في تعزيز أمن البلاد وسيمنحها ثقة وقدرة أكبر على التعاطى مع التهديد الخارجي.
وقال تشانغ ليان قوي، الباحث في معهد الاستراتجيات الدولية بمدرسة الحزب للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، إن إصرار كوريا الديمقراطية على المضي نحو "امتلاك سلاح نووي" لن تكون له عواقب وخيمة على دول الجوار فحسب، وإنما على المجتمع الدولي بأسره.
وأضاف تشانغ أن التهديد الأكثر ميلا إلى الواقعية الذي تشكله التجربة النووية يكمن في مشكلة الأمن البيئي، إذ أن القيام بتجربة نووية في مناطق ذات كثافة سكانية عالية أمر بالغ الخطورة ولم تجرؤ على القيام به أى دولة في العالم حتى الآن . ولهذا إذا فشلت التجربة المحتملة، فقد تتحول مساحات شاسعة من أراضى كوريا الديمقراطية وكذا أراضي دول الجوار إلى "مناطق غير مأهولة تماما".
وعلاوة على ذلك، أشار المحلل تشانغ إلى أن السياسة النووية لكوريا الديمقراطية قد تثير سباق تسلح خطير في منطقة شرق آسيا، ما قد يفضى إلى تدهور العلاقات بين دولها.
وأكد تشانغ أن ثمة مشكلة أخطر قد تنجم عن ذلك ألا وهى الانتشار النووي الذي قد يدفع اليابان إلى التخلى عن مبادئها الثلاثة لنزع السلاح النووي تحت ذرائع كهذه ويجعلها تمضى على درب امتلاك سلاح نووي.
-- المحادثات والحوار السبيل الوحيد لتسوية القضية
وقد أفادت وسائل الإعلام الكورية الجنوبية مؤخرا بأن الصين تعتزم ارسال وفد إلى بيونغيانغ بغية "اقناع ومنع" كوريا الديمقراطية من إجراء تجربة نووية ثالثة، ولكن الخبير الصيني رن وي دونغ نفي ذلك قائلا إن المشاورات والاتصالات أمر ممكن، ولكن ارسال "وفد الاقناع "هذا "ليس من الأمور التي تفعلها الدول الناضجة، فالصين لا تصنع السياسات لكوريا الديمقراطية".
ولفت المحللون إلى أن رد كوريا الديمقراطية على القرار الأممي الأخير سيؤثر بشكل مباشر على تطورات الوضع في المنطقة. ويقولون إنه من أجل انجاح المساعي المبذولة لحل القضية النووية في شبه الجزيرة الكورية، فعلى كوريا الديمقراطية الحرص على تهيئة مناخ دولي موات لذلك وعلى الدول ذات الصلة اتخاذ مواقف إيجابية وتعديل سياساتها تجاه كوريا الديمقراطية وتهيئة ظروف ملائمة لاستئناف المحادثات السداسية وإجراء حوارات ومشاورات عبر قنوات أخرى لتعيد القضية إلى مسارها الصحيح.
ويرى قوه روي أن توقف المحادثات السداسية لوقت طويل أمرا لا يصب في صالح أحد، قائلا إنه يتعين علي الصين دفع تحويل آلية الهدنة في شبه الجزيرة الكورية إلى آلية السلام في أسرع وقت ممكن، ودفع اقامة آلية لإدارة الطوارئ لتشمل المزيد من القضايا الأمنية غير التقليدية من اجل تبديد قلق كوريا الديمقراطية من أن تكون المحادثات السداسية مجرد محادثات "لسلام إلزامي" ومحادثات "لانتزاع القوة النووية من البلاد ".
ويوضح قوه أن الصين تحث دوما الأطراف المعنية على إلتزام الهدوء وضبط النفس، وتؤكد على ضرورة تخلى كوريا الديمقراطية عن برامجها الرامية إلى تطوير سلاح نووي والعودة إلى طاولة المحادثات السداسية،وتشدد أيضا على ضرورة اهتمام الولايات المتحدة بالمخاوف التي تساور كوريا الديمقراطية وتخفيف سياساتها العدائية تجاهها.
/مصدر: شينخوا/
أنباء شينخواشبكة الصين إذاعة الصين الدوليةتلفزيون الصين المركزي وزارة الخارجية الصينيةمنتدى التعاون الصيني العربي
جميع حقوق النشر محفوظة
التلفون: 010-65363696 فاكس:010-65363688 البريد الالكتروني Arabic@people.cn