بكين   5/-2   مشمس

دينغ شياو بينغ... مهندس نهضة الصين الحديثة (2)

زعيم صيني وعالمي واقعي وجريء

2012:02:24.14:00    حجم الخط:    اطبع

سنوات الحزب والحرب

لمّا عاد إلى الصين في مطلع عام 1927، غيّر اسمه من دنغ سيان شينغ إلى دنغ شياو بينغ (شياو بينغ تعني السلام الفتيّ)، في إشارة إلى بداية مرحلة جديدة هامة في حياته، والتأكيد على انتمائه الوطني بجانب ماركسيته. ثم عزّز ارتباطه بالحزب الشيوعي الصيني الذي لم يمض على تأسيسه آنذاك سوى 6 سنوات، في فترة كانت الصين خلالها ضعيفة تحت حكم أمراء حرب مصلحيّين يتقاسمون النفوذ على مناطقها، ويتنازلون كثيرا للأجانب، حتى باتت الصين شبه مُستعمَرة، والناس يعانون تحت وطأة ظروف صعبة ومعقدة شتى مُخلّفة من القرن التاسع عشر، ويئنّون تحت جراح اجتماعية وسياسية وفوضى نزاعات خطيرة، والبلاد تواجه ضغوطا داخلية وخارجية تفرضها التطورات التي يشهدها العالم في حينه.

استقر دنغ في شمال الصين أولا، لكنه أضطر للانتقال جنوبا بسبب الحملة القوية لحزب الكومينتانغ بزعامة تشيانغ كاي شيك، ضد الشيوعيين. في الجنوب التقى مرة أخرى برفيقه جو إن لاي بمدينة ووهان التي أصبح سكرتير الحزب الشيوعي الصيني فيها. في تلك الفترة، كان يسهم أيضا في تأجيج الاحتجاجات الشعبية في شانغهاي ضد الكومينتانغ، ثم ساهم بقيادة انتفاضة شعبية غير موفقة في مقاطعة قوانغشي في عام 1929 ضد حكومة الكومينتانغ هناك، حتى اشتعلت الحرب الأهلية بين الحزب الشيوعي الصيني وحزب الكومينتانغ (1927- 1949)، واستعر أوارها وتلظى بنارها وويلاتها كل الصينيين، لا سيّما الشيوعيين.

رغم قصر قامته، كان مميزا ببنية جسدية قوية وحضور مؤثر، وتعليم وثقافة وميول ماركسية ووطنية واضحة أهلته لعضوية متميزة في الحزب الذي رشّحه أولا للعمل في مناطق ريفية للدعوة إلى سياسات الحزب وتثوير الأرياف، وإنقاذ البلاد من محنتها. شارك منذ عام 1929 في حملات عسكرية ضد الكومينتانغ وفي حملات إصلاحية داخل الحزب. وشارك بالمسيرة الكبرى (8 آلاف ميل) للجيش الأحمر عامي 1934-1935، وهي مسيرة نزوح اضطراري بظروف صعبة وتضاريس معقدة لمئات آلاف الشيوعيين استمرت أكثر من 375 يوما، من مقاطعة جيانغشي بوسط شرقي الصين إلى مناطق الصين الداخلية شمالا وصولا إلى شانغسي، تفاديا لهجمات حزب الكومينتانغ. وساهم بشكل فعّال في قيادة فصائل ووحدات عسكرية من الجيش الأحمر خلال الحرب الأهلية التي أطاحت بحزب الكومينتانغ، ومن ثم التمهيد لتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949. وأظهر شجاعة وحكمة تنظيمية وسياسية خلال حرب مقاومة الصين للغزو الياباني الذي بدأ عام 1937. تلك التجارب التنظيمية والعسكرية الميدانية، منحته الخبرة والصبر والتحمل والعلاقات الطيبة أيضا، وكانت خيرَ مُعين له في حياته السياسية اللاحقة بحلوها ومرّها. نقول حلوها ومرها لأنه عانى كثيرا من التآمر والإبعاد القسري عن الحياة السياسية والحكومية، بسبب خلافاته مع العديد من السياسيين الذين عاصرهم.

تمّ تعيينه لمهمة مدير القسم السياسي للحزب خلال حملة المسيرة الكبرى. وخلال حرب مقاومة الغزو الياباني، تولى مهمة المفوض السياسي الحزبي للكتيبة 129 من جيش الطريق الثامن، التي نمت وتطورت لتصبح واحدة من أكبر الوحدات العسكرية خلال تلك الحرب. وبعد انتهاء الحرب الأهلية وتأسيس الجمهورية عام 1949، ظلّ يمارس مهامَ حزبية هامة في مقاطعات البلاد إلى أن عاد لبكين في عام 1952 ليتدرج سريعا في سُلم المناصب والمهام الحزبية، فتسلم عدة مناصب كنائب لرئيس مجلس الدولة ونائب رئيس لجنة الشئون المالية، ثم وزيرا للمالية ومديرا لمكتب الاتصالات للحزب، إلى أن تفرغ من كل هذه المناصب، عدا نائب رئيس مجلس الدولة، ليتبوأ منصب الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني عام 1954، ثم عضوا في المكتب السياسي للحزب. وخلال المؤتمر الوطني الثامن للحزب عام 1956، ترسخت جهوده ودوره كأمين عام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ومديرا لقسم التنظيم بالحزب، ونائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية.

في الحقيقة، أن أدواره السياسية بدأت بالظهور منذ مطلع الثلاثينات للقرن العشرين، ولكن بصماته المميزة اتضحت أكثر في السبعينات. في عام 1973، ظهر هذا الرجل القصير القامة الأنيق المظهر، خلال حفل استقبال لرئيس وزراء كمبوديا آنذاك نوردوم سيهانوك. وعلى ضوء سمعته كرجل براغماتي، كان واضحا أن قيادة الحزب الشيوعي الصيني، وعلى رأسها ماو تسي دونغ، قد دعته للإسهام في جهود الحكومة لتحريك الاقتصاد المتعثر، ثم الاستعداد ليحل محل رئيس مجلس الدولة في حينه جو إن لاي، الذي بدت عليه علامات المرض الخطير. وخلال انعقاد أول دورة للمجلس الوطني الرابع لنواب الشعب في بكين عام 1975، تم تكليفه بتسيير شئون البلاد كنائب لرئيس مجلس الدولة(مجلس الوزراء)، بفضل ما يُعرف عنه من جرأة في تحمل المسئوليات والمهام الصعبة. وكان اختياره موفقا، لأن الاقتصاد الصيني حقق في تلك السنة أفضل معدلات نموه منذ الثورة الثقافية (1967-1977). وبسبب أفكاره الجريئة الخاصة، ظهرت الخلافات منذ الثلاثينات بينه وبين بعض زملائه الثوريين الذين اتهموه بمختلف التهم وأجبروه على التنحي من مناصبه بالحزب والدولة عدة مرات، لكنه كان يعود أقوى في كل مرة. وعاد للحياة السياسية أخيرا في سبتمبر عام 1976، وذلك بفضل دعم أبداه رفاق له من أيام النضال العسكري. تعززت العودة السياسية لدنغ شياو بينغ واكتسبت زخما خلال الفترة بدءا من عام 1977 ثم تكللت بتبوءه في عام 1978 المكانة القيادية الأعلى بالصين، وهي رئيس اللجنة العسكرية المركزية.

[1] [2] [3] [4] [5]

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/

تعليقات