بكين   5/-2   مشمس

دينغ شياو بينغ... مهندس نهضة الصين الحديثة (3)

زعيم صيني وعالمي واقعي وجريء

2012:02:24.14:00    حجم الخط:    اطبع

الإصلاح والانفتاح

بعد أن مرّت الصين بفترة صعبة ومعقد ، باتت الأوضاع مستقرة في نهاية السبعينات، الأمر الذي هيأ للقيادة السياسية للبلاد، وفي القلب منها دنغ شياو بينغ، أن تتطلع لتحرير العقول وإطلاق المبادرات المبدعة لبناء صين جديدة. لذلك، كان لا بُدّ أولا من تحرير الاقتصاد المخطط شديد المركزية الذي تتولى الحكومة فيه التخطيط والتنفيذ والتدبير والمسئولية عن كل شيء تقريبا في هذا البلد الكثير السكان، خاصة مسئولية توفير الطعام فيما يُسمى بالصين في حينه "قدر الطعام الكبير الواحد" في إشارة إلى أن الحكومة توفر الطعام للجميع على حد سواء؛ المنتجون وإن اختلفت درجات إنتاجهم، واللامنتجون وإن اختلفت درجات اعتمادهم على قِدر الأرز الذي توفره الحكومة. كانت الأرضية الفكرية جاهزة، والأفكار التحررية نحو البناء والإبداع تلقى قبولا بين القيادة السياسية وبين أبناء الشعب، في وقت لم يألُ فيه دنغ شياو بينغ جهدا للدعوة والترويج لأفكاره الإصلاحية، مؤكدا أن الظروف باتت مهيأة لإطلاق العنان للناس ليعملوا ويبدعوا وينتجوا كما يفعل العالم المتطور. في تلك الفترة، وفي نوفمبر 1978 تحديدا، تهيأت لدنغ شياو بينغ فرصة السفر وزيارة ثلاث دول آسيوية مجاورة هي تايلاند وماليزيا وسنغافورة، حيث تعزز إيمانه هناك، خاصة في سنغافورة، بضرورة التطوير والإصلاح والانفتاح من أجل إنهاض الصين من كبوتها مهما كلف الأمر، ورأى أن الإصلاح والانفتاح هما السبيل الوحيد لضخ حيوية في الصين سياسيا واجتماعيا، وإنهاضها اقتصاديا. وفي ظل التجارب والخلافات والتناقضات التي ظهرت في دول اشتراكية أخرى، لا سيما الاتحاد السوفيتي السابق، كان حريصا وحذرا في خطواته، منتهجا سبيل الطرح والتشاور بحيث تكون الغلبة للأصلح أو الأكثر فائدة وملائمة لواقع وظروف الصين، مؤكدا على ضرورة انتهاج اشتراكية بخصائص صينية، ومعالجة المشكلات الآنية للصين، استنادا إلى أساس واقعها الفعلي، وليس على أساس قوالب تاريخية أو أيديولوجية جاهزة، مهما كان مصدرها. ولهذا كانت إصلاحات الصين بقيادته ودعمه، أكثر نجاحا من سياسة الإصلاح (البيرسترويكا) التي انتهجها الرئيس السوفيتي الأسبق غورباتشوف. لقد أشار بعض المحللين إلى أن الاختلافات بين السياستين تكمن في أن الأولى كانت من أرض واقع الصين، وتحتمل النقاش والرفض والقبول والتجربة وهي نابعة من الجذور، بينما الثانية كانت تنظيرية أكثر منها واقعية، ومن شخص واحد هو غورباتشوف نفسه، الذي اهتم بقضايا في الأعلى نزولا للأسفل.

عزّز دنغ شياو بينغ الدعوات إلى فكرة ماويّة مشهورة، وهي "ابحث عن الحقيقة من خلال الوقائع"، في إشارة مقصودة منه إلى أنه لا توجد خريطة طريق جاهزة للإصلاح والتنمية، وأنه "يتعين على الشعب الصيني أن يعبر النهر بنفسه ليتحسس بأقدامه الحصى الموجود في قاع النهر". وأشهر ما يُذكر عنه استشهاده بمثل صيني قديم، معروف في مسقط رأسه بمقاطعة سيتشوان، أكثر من أي مكان آخر في الصين، وهو "لون القط لا يهم، سواء أكان أبيض أم أسود، طالما أنه يصطاد الفئران."

جاهر بخلافه مع العديد من شعارات الثورة الثقافية، وكلفه ذلك الإبعاد القسري عن الحياة السياسية في مطلع السبعينات. كان رفيق نضال وموضع ثقة لماو تسي تونغ، مؤسس الصين الجديدة، لكن ذلك لم يكبح جرأته المعهودة فأعلن خلافه مع مقولة "من الأفضل أن نبقى فقراء في ظل الاشتراكية، على أن نغتني في ظل الرأسمالية." وأكد "أن الفقر ليس اشتراكية." وحتى تعليقه المشهور حول "لون القط لا يهم، طالما أنه يصطاد الفئران"، فقد جاء إثر خلاف فكري عام 1961 حول تطوير الإنتاج الزراعي.

وعلى ضوء الاقتصاد الصيني الضعيف المتعثر، بدأت مسيرته الإصلاحية بالعديد من الخطوات، مثل تقليل الاستثمار في الصناعات الثقيلة من أجل تحقيق الموازنة لجميع القطاعات، وزيادة الأسعار التي تدفعها الحكومة لشراء محاصيل الفلاحين، الأمر الذي شجع الفلاحين كثيرا، وخصص سلسلة من العلاوات لزيادة عوائد العاملين الحكوميين في المدن.

ومن الطبيعي أن يتشجع الجميع لممارسة أعمال خاصة تدرّ مزيدا من الدخل، الأمر الذي كان الأساس لسوق حرة للمنتجات الريفية. وسمح للمقاطعات بإلغاء نظام الكومونة الزراعية والحقول الجماعية التي أوجدها ماو تسي تونغ، والسماح للفلاحين بتقسيم الأراضي وزراعتها بأنفسهم بشكل فردي أو عائلي بأسلوب التأجير أو المقاولة العائلية، الأمر الذي زاد الإنتاج الزراعي كثيرا. وليس ذلك فحسب، بل بدأ الريفيون بتربية المواشي والاستثمار في حقول الدواجن والأسماك والروبيان، والنهريّات والبحريّات الأخرى، وحتى استغلال المباني الجماعية السابقة لإنتاج مستلزمات حياتية تجارية يبيعونها بأنفسهم، الأمر الذي زاد عوائدهم، وساهم في تخفيف الآثار السلبية التي عاناها الفلاحون ومعظم الصينيين بعد حملة "قفزة كبرى للأمام" التي دعا إليها الزعيم ماو عام 1958. لقد كان للتغيرات الكبيرة في حياة ملايين الفلاحين أثر في تطوير أنماط حياتهم في بناء مساكن جديدة، وفي الاستهلاك اليومي، وهو ما وفر فرصا هائلة للعمل وللأسواق، خاصة قطاعات صناعة المواد الإنشائية. وفي المدن، تبنى سياسات مؤاتية لزيادة فرص العمل خاصة للخريجين الشباب، وسمح بقيام أعمال خاصة صغيرة، وأخذ الناس العاديون يتبضعون السلع الاستهلاكية التي أخذت تزداد يوما بعد يوم، بعدما كانوا مُقيّدين ومُُحدّدين بكوبونات توزعها عليهم شهريا أو بالمناسبات، وحدات عملهم الحكومية، وتحمّس كثيرا لجذب الاستثمارات الأجنبية وكل ما هو متطور مفيد للصين. استشف أيضا أن العالم آنذاك لا يحتمل حربا جديدة، وأن السلام سيكون التيار السائد، لذلك دعا الجيش للإسهام في الحملات المدنية لتحديث الاقتصاد، وطالت إصلاحاته حتى ميزانية الجيش، مُقترحا تقليل إنتاج الأسلحة، عدا الاستراتيجية منها. ودعا أيضا إلى تنظيم الأسر الصينية، أي تنظيم الإنجاب، باعتباره وسيلة هامة لكبح الزيادة المفرطة في عدد السكان. وحث على إنهاض التعليم وتجديده بعدما طالته الآثار السلبية لتجنيد الشباب خلال فترة الثورة الثقافية. وإيمانا منه بحاجة الصين المتأخرة كثيرا عن العالم المتقدم، شجع الطلاب الشباب على الدراسة في الخارج، ومنها بدأت موجة لتعلم اللغة الإنجليزية.

كانت التحديات جسيمة أمام الصين عموما، شعبا وحزبا وحكومة، لكنه أيقن بأن مفتاح الحل يكمن في تركيز كل الجهود على إصلاح الداخل والانفتاح على الخارج وتنمية الاقتصاد وتخليص البلاد والعِباد من الفقر والانغلاق، وجلب التكنولوجيا المفيدة من كل مكان متقدم، خاصة من الغرب، ومنه فرنسا التي أمضى فيها خمس سنوات. كان حريصا على الحفاظ على الاشتراكية في الصين، لكنه نادى بصوت قوي ومسموع بفكرة أن الاشتراكية هي الإسراع بتطوير وتنمية قوى الإنتاج، وبحث واكتساب وتعلم التكنولوجيا والاطلاع على تجارب الإدارة المتقدمة للدول الأجنبية والاستفادة منها، والتحلي بالشجاعة والجرأة لإصلاح نظام الإدارة الاقتصادية، وخلق اقتصاد السوق الاشتراكي. طرح الاستراتيجية التنموية الملائمة لواقع الصين، من ثلاث خطوات، ووضع فترة 70 سنة لتحقيق أهدافها، وركز على أن يتم خلال الخطوة الأولى توفير الغذاء والكساء للمواطنين خلال 10 سنوات، وفعلا تحقق الهدف قبل الموعد المحدد في نهاية الثمانينات. والخطوة الثانية هي زيادة إجمالي الناتج المحلي لعام 1980 بواقع 4 أضعاف في نهاية القرن العشرين، وفعلا تحقق الهدف في عام 1995 قبل الموعد المحدد. والخطوة الثالثة زيادة معدل دخل الفرد بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي ليصل عام 2050 إلى معدل الدول المتوسطة النمو. في حينه، أي عام 2050، يكون المواطن الصيني متمتعا بمستوى حياة رغيدة، وتكون التحديثات قد تحققت من حيث الأساس. ومن أجل ذلك، قام في عام 1978، عام انطلاق مسيرة الإصلاح والانفتاح بالصين، بجولته التفقدية للمقاطعات الثلاث بشمال شرق الصين، وهي جيلين ولياونينغ وهيلونغجيانغ، ليلتقي بمسئوليها ومواطنيها، داعيا في كل مكان يصل إليه أو يحل به إلى تعزيز الجهود من أجل تنفيذ مهمة الحزب والدولة في التحديثات الأربعة للصين وهي الاقتصاد والزراعة والعلوم والتكنولوجيا والدفاع الوطني، مشيرا إلى أن الظروف مهيأة لذلك من خلال المضي قدما بالإصلاح والتطوير ودعم ذلك بالانفتاح على كل ما هو مفيد من الخارج. وشجع على فتح مناطق معينة لتطوير التصنيع والتصدير، واستقبال الاستثمار الخارجي، ووُلِدت أولا في مقاطعة قواندونغ منطقة شنتشن الاقتصادية الخاصة، ثم تلتها تشوهاي وشانتو، وكذلك منطقة شيامن الاقتصادية الخاصة في مقاطعة فوجيان، وتحولت لاحقا إلى مناطق اقتصادية خاصة توفرت فيها فرص تجارية برسوم تفضيلية جذبت أولا الكثير من رجال أعمال قطاع التصنيع في هونغ كونغ المجاورة لهذه المناطق. لقد كانت تلك المناطق التصديرية – الاقتصادية الخاصة، الشرارة التي ألهبت حماسة قطاع التصنيع في الصين، وزادت الصادرات بمستوى غير مسبوق بحيث يمكن رؤية آثار ذلك في يومنا هذا، حيث تتقدم الصين نحو مركز الصدارة عالميا في مجال التصدير. تلك المناطق التي بدأت محدودة على سبيل التجربة الحَذِرة، تضاعف عددها وانتشرت في معظم المناطق الساحلية، وامتدت حتى للمدن التي ليس لديها سواحل.

ومن الثمار الأولى لأفكاره الانفتاحية والإصلاحية على الصعيد الخارجي، توقيع الصين لمعاهدة السلام والصداقة مع اليابان في عام 1978. وفي يناير عام 1979 وخلال زيارة للولايات المتحدة، تمكن من إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة وانتزاع اعترافها رسميا بالصين، بعد جهود دؤوبة مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، مبعوث الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون لتطبيع العلاقات مع الصين، فيما يُسمى بـ"دبلوماسية كرة الطاولة" التي بدأت منذ مطلع السبعينات وتكللت بزيارة الرئيس نيكسون للصين عام 1972، وما تلاها من زيارات لكيسنجر لبكين، الأمر الذي ساعد أيضا على تحسين العلاقات مع الغرب. ثم أخذت العلاقات تتحسن تدريجيا مع الاتحاد السوفيتي بعد قطيعة طويلة بسبب خلافات فكرية حول المعسكر الاشتراكي، ثم حقق حلما طالما انتظره الصينيون وهو التفاوض الناجح مع البريطانيين لإعادة هونغ كونغ للوطن الأم في عام 1997. وخلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية في مطلع عام 1979 ولقائه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، تجوّل في عدة مناطق ذات طبيعة تجارية مثل شركة بوينغ وشركة كوكا كولا، ليقول للأمريكيين إن الصين الجديدة عازمة على التطور والإصلاح والانفتاح.

[1] [2] [3] [4] [5]

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/

تعليقات