بكين   5/-2   مشمس

دينغ شياو بينغ... مهندس نهضة الصين الحديثة (4)

زعيم صيني وعالمي واقعي وجريء

2012:02:24.14:00    حجم الخط:    اطبع

ممارسات بناءة

أحد عشر عاما كانت فترة ممارساته البناءة (1978- 1989) على رأس الحزب والحكومة ونواة الجيل الثاني للقيادة السياسية في الصين، التي شهدت تغيرات وتطورات كبيرة جدا، أوصلتها لما هي عليه الآن من تطور جيّاش ونمو اقتصادي هو الأكثر حيوية في العالم. وبفضل سياسة الإصلاح والانفتاح التي بدأها هذا الزعيم، أصبحت الصين ثاني اقتصاد من حيث الحجم في العالم. وبفضل حكمة مهندس الإصلاح والانفتاح، كما يلقبه الصينيون، تخلص مئات الملايين من الفقر وتخلص الفلاحون من ظلم الإقطاع والتخلف وأصبحت أرياف الصين شكلا آخر. من الناحية الرمزية، قد يكون عام 1984 تحديدا، عاما مميزا في حياة هذا الزعيم البارز. ففي ذلك العام، حققت الزراعة الصينية، خاصة محاصيل الحبوب، رقما قياسيا بلغ 400 مليون طن، محققة الاكتفاء الذاتي، بعد فترة طويلة من المعاناة. وفي العام نفسه، نجح في التفاوض مع الحكومة البريطانية حول إعادة هونغ كونغ للوطن الأم بحلول عام 1997، وكذلك التفاوض مع البرتغال لإعادة ماكاو للصين في عام 1999، الأمر الذي يعتبر ثمرة من ثمار سياسته الشهيرة المعروفة بـ "دولة واحدة ونظامان". الدولة الواحدة هي الصين بنظامها الاشتراكي، ونظامان تعني بقاء منطقتي هونغ كونغ وماكاو على نظامهما الرأسمالي.

في عام 1989، قرر الاستقالة من منصب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، ثم التقاعد عن العمل السياسي، مُقدّما بذلك نموذجا على ضرورة الانتقال السلس للسلطة وفسح المجال أمام جيل جديد لقيادة المسيرة، ومواصلة العطاء والإسهام بشكل آخر. ورغم كبر سنه وتقاعده، لكنه ظل الشيخ السياسي المحنك الذي يُرجَع إليه عند الضرورة، خاصة فيما يتعلق بمسيرة الإصلاح الاقتصادي والتحديث الاشتراكي التي اعتبر مهندسها الرئيسي، وساعد في ذلك تلك الفكرة التقليدية الصينية المتوارثة باحترام كبار السن وتبجيلهم. في ربيع عام 1992، كانت جولته المعروفة في المناطق الاقتصادية الخاصة بجنوب الصين، حيث زار ووتشانغ، والمنطقتين الاقتصاديتين الخاصتين في شنتشن وتشوهاي، اللتين أصبحتا مدينتين برزتا للعيان بشكل رائع جدا، من الصِفر تقريبا، بفضل الانفتاح الاقتصادي على الخارج. ثم زار شانغهاي، التي يعود الفضل له أيضا في تعزيز مكانتها الاقتصادية والساحلية في الصين والعالم، بعد أن شجع على تأسيس منطقة بودونغ الحديثة فيها.

تحديات صعبة ومسيرة شاقة

في خضم هذه الإنجازات، هل كان الطريق سلسا أمام الصين، شعبا وقيادة، في هذه المسيرة الطويلة المحفوفة بالكثير من التحديات والتعقيدات والتطورات الداخلية والخارجية؟ يبدو من الطبيعي في بلد يضم عددا هائلا من السكان، واقتصاد ضعيف وبنية تحتية متخلفة حتى مطلع الثمانينات، أن تكون التحديات قاسية والمهام أقسى، والتنفيذ محفوف بالمخاطر، والنتائج دونها الجهد والعرق والتضحيات. فمع انفتاح وتطور الاقتصاد وتوسعه، برزت مشاكل عديدة منها مثلا الزيادة السكانية الكبيرة التي جعلت تعداد سكان البلاد يتجاوز المليار بكثير حسب التعداد العام للسكان في عام 1982، الأمر الذي حتم الاستمرار بسياسة تنظيم الأسرة. وفي جانب الموارد، من المعروف أن الصين قليلة الموارد مقارنة بالمعدل العالمي وتعداد سكانها، لذلك عانت الموارد من الاستنزاف، الأمر الذي دفعت ثمنه البيئة في البلاد. وكان لتعزز دور اقتصاد السوق وحرية التجارة دور في ظهور فجوة تنموية وتطورية بين المناطق الصينية التي تعاني أصلا من اختلافات واضحة لأسباب جغرافية وتاريخية، وظهور فوارق اجتماعية بين المواطنين، وهي أمور تحظى باهتمام بالغ من الحكومة الصينية التي تبذل جهودا متواصلة لتعزيز التنمية المتوازنة والمستدامة والخضراء، التي تساعد في الحفاظ على موارد البلاد، والعمل أيضا على تضييق الفجوة في التنمية بين المناطق وكذلك بين المواطنين، بحيث يستفيد الجميع من ثمار التنمية، وصولا إلى هدف مجتمع رغيد متناغم.

بعد حياة مليئة بالأحداث، وبعد إسهامات يُشار لها باحترام وتقدير بارزين، توفي هذا الزعيم الذي وصف بأنه "ماركسي عظيم، وثوري بروليتاري رائع، ورجل دولة محنك، واستراتيجي عسكري ودبلوماسي فذ" توفي في بكين في 19 فبراير عام 1997، عن عمر ناهز 93 عاما، مُخلفا إرثا سياسيا وإسهامات سيتذكرها الصينيون والعالم أجمع، كشاهد على نهضة بلد من التخلف إلى مكانة متقدمة في عالم اليوم. إن مشاعر الصينيين تجاهه كانت وما زالت عظيمة جدا، ونستشهد هنا ببعض ما جاء في النعي الذي أصدرته قيادة الصين على لسان الرئيس الصيني في حينه جيانغ تسه مين، حيث قال: "إن الشعب الصيني يشعر بالمحبة والامتنان والتقدير للرفيق دنغ، وسيبقى يتذكر ما بذله من جهود طوال حياته التي كرّسها من أجل الشعب، ومن أجل استقلال وتحرير وبناء الأمة."

[1] [2] [3] [4] [5]

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/

تعليقات