بكين   5/-2   مشمس

دينغ شياو بينغ... مهندس نهضة الصين الحديثة (5)

زعيم صيني وعالمي واقعي وجريء

2012:02:24.14:00    حجم الخط:    اطبع

تجربة ناجحة.. ولكن، هل يمكن استنساخها؟

لقد أصبحت الصين وتجربتها التنموية الناجحة مثالا يُذكر في كل العالم، سواء المتقدم أو النامي، وكذلك الناهض؛ فمعدلات التنمية السنوية دليل على حيوية هذا البلد وتزايد مكانته المؤثرة في كافة المجالات، لاسيما الاقتصادية في عالم بات الاقتصاد فيه يشكل شريان الحياة وأساس العلاقات الدولية بمختلف أنواعها. إنه لمن الطبيعي أن يزداد المعجبون بنموذج الصين التنموي، وتتزايد الدعوات للاقتداء به، ولكن من الضروري أن تؤخذ بالاعتبار العديد من الأمور والعوامل التي تتعلق بالنموذج وبالمعجبين به، خاصة الظروف بارتباطاتها الزمانية والمكانية، وبطبيعة التحديات التي تواجه هذا البلد أو ذاك. وبما أننا تحدثنا عن زعيم ترك بصمات واضحة في مسيرة بناء وطنه، لا بُدّ من التأكيد على أنه لا يوجد زعيم في العالم يمتلك عصا سحرية يؤشر بها فتستجيب له الظروف والمتغيرات، بل أن الأمر كما يقول المثل العربي، دونه خَرط القتاد، وما الصين إلا شاهد على صعوبة التنفيذ وتحقيق النتائج. لم تكن الصين وحدها من حاول واجتهد في إصلاحات، فالعالم كان وما زال مليئا بالأمثلة الإصلاحية، نذكر منها في حينه مثال الاتحاد السوفيتي السابق وتجارب في يوغسلافيا السابقة وفي هنغاريا، ودول ومناطق أخرى بالعالم. ولكن مدى نجاعة الإصلاح وفاعليته في تحقيق الثمار تتعلقان بعوامل عديدة تؤكد لنا ضرورة أن لا يستنسخ أي أحد تجربة الآخرين بشكل أعمى. حتى يومنا هذا، هناك الكثير من الدعوات لأن تتكرر هذه التجربة في هذا البلد أو ذاك. لكن النظرة الموضوعية الواقعية لهذه التجربة تؤكد حقيقة واضحة تماما وهي أن الصين تختلف عن غيرها في الكثير من جوانب وعوامل تجربتها التنموية المثيرة للإعجاب. لا أحد ينكر أن عالمنا اليوم أصبح قرية كونية بفضل العولمة الاقتصادية والتطور التكنولوجي والمعلوماتي والفضاء الإنترنتي، وبات الناس في كل العالم يشتركون في العديد من الآمال والطموحات والمصالح، ومتقاربين جدا بحيث يتبادلون الحديث والآراء عبر قنوات عديدة بالصوت والصورة في الحين واللحظة. ولكن لا ننسى حقيقة اختلافات الظروف التاريخية والجغرافية والمواردية والإقليمية، والأهم من ذلك طبيعة السكان المستمدة والمترسخة عبر قرون عديدة وأجيال متتالية. وللدلالة على اختلاف طبيعة الناس وتأثيرها في مجالات الحياة، نشير هنا إلى عادات مختلفة لدى الصينيين والأمريكيين. فمعظم الصينيين ذوو طبيعة مقتصدة وادخارية، بينما الأمريكيون عموما ذوو طبيعة مسرفة بالإنفاق، والدليل على ذلك هو ما تتمتع به الخزينة الصينية من رصيد قوي جدا من العملات الصعبة، وما تعانيه الخزينة الأمريكية حاليا من خواء.

لقد كان الأساس في فلسفة هذا الزعيم هو الاستناد لواقع الحال وعدم تقليد الآخرين عشوائيا، ولكن لا بأس من استقدام المتقدم المفيد بكل أنواعه واستخداماته، شرط أن يكون متلائما مع واقع واحتياجات البلاد حتى يمكن الاستفادة الفعلية منه. لذلك، ونحن ننظر بالإعجاب والاحترام لتجربة الصين التنموية، وإلى جهود وصبر وجَلد هذا الشعب، علينا أن نتذكر حقيقة أنه يمكن الاستفادة من هذه التجربة كنموذج يحتذى، ولكن لا يمكن استنساخها أبدا.


[1] [2] [3] [4] [5]

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/

تعليقات