البريد الالكتروني
الأخبار الساخنة أسبوع 48 ساعة 24 ساعة
الصفحة الرئيسية

سياسة تنظيم الأسرة فى الصين ما لها وما عليها

2009:11:26.16:03

سياسة تنظيم الأسرة فى الصين بين مؤيد ومنتقد :

مازال مؤيدو هذه الإجراءات يرون ان الصين تقدم من خلال تطبيقها مساهمة كبيرة لكوكب الأرض وللبشرية جمعاء.

فلولا هذه الإجراءات لكان مستحيلا على الصين أن تُطعِم هذا العدد الهائل من السكان ( خمس العالم ) وتنتشل اكثر من 200 مليون من مواطنيها من براثن الفقر المدقع ، وتوفر لهم الطعام والكساء والتعليم والخدمات الصحية ، وتسهم إيضا فى تقديم المساعدات قدر الإمكان لبعض الدول المُحتاجة . ولولا هذه الإجراءات لما تمكنت الصين من تحقيق الإكتفاء الذاتى فى محاصيلها الغذائية ولما تمكنت من تحقيق نمو إقتصادى أثار إعجاب العالم أجمع، إضافة الى مساهمة الصين فى خفض زيادة تقدر بثلاثمائة مليون نسمة لسكان العالم خلال فترة تطبيق هذه السياسة. ولذلك مازال مؤيدو هذه السياسة مُصِرّين عليها وعلى معارضة أى محاولة لتيسيرها ، رغم الانتقادات التى توجه اليها من هنا وهناك.

ونبقى على الجانب المؤيد لسياسة تنظيم الأسرة فى الصين ونشير الى ما يقول عنه مؤيدوها بانه بعض من إيجابياتها ، خاصة ما يتعلق بالبيئة والموارد والنزاعات الناجمة عن الانفجارات السكانية. فهم يستشهدون بالأخطار البيئية المُحدِقة بكوكبنا جراء الاستغلال المفرط للموارد التى باتت ضعيفة على سطح الارض ، ويعتقدون ان الزيادة الكبيرة فى أعداد سكان الارض سينجم عنها مشاكل خطيرة تبلورت فعلا فى هجرات الجياع بحثا عن الطعام والرزق ، وفى حدوث نزاعات جيوبوليتيكية باردة وأخرى ساخنة ومسلحة فى أماكن عديدة بالعالم حول الحدود وموارد الأرض والمياه والطاقة . ويعتقدون ان مشاكل الانفجارات السكانية غالبا ما تعالج اما بالحروب او بالكوارث ، ويتساءلون عن سبب الانتقادات طالما ان هذه السياسة توفر مجالا لتنظيم الانجاب بشكل قانونى وطوعى ومقبول واقعيا ، ويرون أن هذه المعالجة أفضل من انفجار سكانى يعنى عدم الاستقرار الاجتماعى وإمكانية اندلاع حرب فى اى لحظة.


منتقدو هذه السياسة :

يرى منتقدو هذه السياسة انها لم تَعَُُد مبرَرة بعد التقدم الكبير الذى شهدته الصين على كافة الأصعدة ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومعاشيا ، وقد آن الأوان لتخفيفها إن لم يتم إلغاؤها تماما. ويشيرون الى ضرورة ان تنتبه الصين لحقيقة ان مواصلة كبح الزيادة الطبيعية للسكان سيجرّ عليها مشاكل مثل شيخوخة المجتمع ، وعدم التوازن بمواليد الجنسين ، والتمييز ضد الأناث ، مضيفين ان العالم اليوم يشهد تغيرات عميقة فى كافة المجالات وهناك دول أخرى ، خاصة المجاورة للصين ، تشهد زيادة سكانية كبيرة توظفها لصالحها سياسيا واقتصاديا ، كما يحصل فى الهند مثلا ، إضافة الى عوامل مهمة أخرى تتعلق بمقارنة معدلات الخصوبة والإنجاب لدى الصينيات من جانب وجاراتهن الآسيويات وفى مناطق أخرى بالعالم من جانب آخر ، وأثر ذلك على معدلات الإنجاب والنمو السكانى الطبيعى فى الصين مستقبلا ، وهى أمور تستدعى – حسب رأيهم – أن تخفف الحكومة الصينية قيود هذه السياسة إن كان هناك ما يبرر استمرار تطبيقها حتى الآن.

ويستشهد منتقدو هذه السياسة بأمثلة واقعية فرضت نفسها خلال العقد الماضى وتجسدت بمنح عدة مدن صينية كبيرة ، أولها شانغهاى، تسهيلات لسكانها فى مجال الإنجاب وسمحت للأزواج بإنجاب طفل ثان للحيلولة دون المزيد من مشاكل شيخوخة المجتمع. اضافة الى اضطرار الجامعات الصينية الى غض الطرف عن زواج الطلبة الجامعيين بعد ان كانت تحظر زواجهم خلال فترة دراستهم الجامعية وتطرد كل من يخالف ذلك الحظر.

ويرى المتابعون أنه فى ظل مواصلة تطبيق هذه السياسة ، يتعين على الحكومة الصينية مواصلة تخصيص الاستثمارات للضمان الاجتماعى وضمان الشيخوخة وتوفير رعاية خاصة للأرياف وتحديث الزراعة وتطوير المكننة ، ومراعاة جانب مهم يتعلق بضرورة المعرفة الدقيقة لمعدل الزيادة السكانية الملائم للتنمية المستدامة ، والأخذ بالاعتبار ان تشجيع عدم الإنجاب سيكون سلبيا على المدى الطويل .

وهناك دول تنظر لهذه المسألة بقلق كما هو الحال فى اليابان التى ظهرت فيها دراسات تحذر من خطر ضعف البلاد بعد 200 سنة بسبب ضعف معدلات الإنجاب . ويتعين على الصين ايضا التركيز على تحسين انظمة الضمان الاجتماعى والصحة والتعليم حتى يلمس المواطن ويرى ثمار هذه السياسة ويشعر بمبررات التزامه بها وبالاطمئنان على مستقبله ، وأن لديه ما يحميه ويعينه فى حياته عموما وشيخوخته خصوصا ، لأن وجود ابن واحد فقط قد يدفع الأب أو الأم الى الإحساس بالوحدة واليأس إذا ما شاخ أو عجز ، فالأولاد ليسوا مجرد عدد بل هم مصدر شعور طبيعى للسعادة والاطمئنان . ويتعين على الحكومة ايضا تعزيز الوعى الاجتماعى ليشعر الآباء والأبناء ايضا بأنهم ليسوا وحيدين فى مجتمع يتجه يوميا نحو المادية واللا اجتماعية. فكلنا يعرف أنه فى مجتمع بات ماديا واقتصاديا من الدرجة الاولى ، تراجعت العلاقات الاجتماعية كثيرا وأصبح الابن بعيدا عن أبويه ، والأخ مشغولا عن أخيه ، والجار لا يعرفُ جاره بسبب مشاغل الحياة وعدم وجود الوقت الكافى لمثل هذه العلاقات . وفى ظل غياب هذه الحقائق المُعَزِزة للعلاقات الأسرية والإجتماعية ، اصبح ضروريا أيضا أن يتهيأ للطفل المناخ الملائم لترعرعه ، إذ لايمكن من الناحية البيولوجية أو الاجتماعية أن يترعرع الطفل وحيدا فى محيط اسرة ليس فيها أخ أو أخت يلعبان معه ويُلاطفانه أو يُلبيان اهتماماته الطفولية الطبيعية ، خاصة فى ظل حقيقة ان الأبوين مشغولان طوال الاسبوع بعملهما الذى يمتد من الصباح حتى المساء ، وإذا عادا الى البيت مساء يكونان مُتعَبَين لا وقت ولا مزاج لديهما لطفلهما. وهنا لابد من اللجوء الى المُربية التى تعتبر حالة منتشرة بكثرة فى الصين. ولايخفى على أحد المشاكل الناجمة عن غياب الأم الحقيقية واستبدالها بمربية غريبة لا تربطها بالطفل سوى الأجرة اليومية أو الشهرية . لذلك يسعى الصينيون – خاصة الأمهات – الى محاولة تعويض اجواء الانسجام الطفولى المفقودة فى شقة العائلة من خلال الإجتماع سوية فى ساحة المجمع السكنى ، حيث تجلب كل أم طفلها ليلعب مع الاطفال الآخرين ، وعندما ينتهى الوقت المحدد لهذا الاجتماع ، يذهب كل طفل مع والدته الى شقته الخالية من أى أُلْفة طفولية يحتاجها كل طفل طبيعى.
وهناك مشكلة أخرى يعترف بها معظم الصينيين ، وهى الدلالُ المُفرِط للطفل الواحد . ففى العائلة الصينية اليوم ، هناك ستة اشخاص على الأقل يحاولون بشتى الوسائل تدليل الطفل ، وخاصة الطفل الذكر . والاشخاص الستة هم ابواه وجداه من جهة الاب وجداه من جهة الأم ، وقد تراهم يهرولون خلف عربته أو عجلته جميعا ، هذا يُلاطِفُه وذاك يُطعِمُه ، والآخر يساعده وذاك يضحك بلا سبب إلا لإرضاء الطفل المُدلل. ولايحتاج الأمر الى تفكير طويل لمعرفة ما ستؤول اليه نفسية هذا الطفل الذى سينشأ معتمدا على الأخرين ومفتقدا للقدرة على مواجهة ظروف الحياة ، مغرورا بنفسه وأنانيا، وهذا يعنى بالنتيجة خلل فى تحمل المسئولية الاجتماعية لعدة أجيال.

ومن خلال هذا الطرح ، يتبين لنا ان لكل فريق – المؤيد والمنتقد – وجهة نظره حول هذا الموضوع . وتبقى الظروف الواقعية للصين ، بعدد سكانها الهائل وبمواردها المحدودة وبالتحديات التى تواجهها ، هى التى تحدد فعلا ما اذا كانت هذه السياسة ستبقى حيز التنفيذ ، أم آن الأوان لتخفيف قيودها لإرضاء شريحة ميسورة واسعة ظهرت فى البلاد خلال العقد الماضى ، وباتت تلجأ لكل الوسائل بما فيه التحايل على القانون ، من أجل إنجاب المزيد من الأطفال. ويبقى الجدل حول هذا الموضوع مستمرا طالما ظلت هذه السياسة قيد التطبيق وطالما ظل حب الأبوين يزداد للمزيد من الأولاد.
وهنا يطيب ذكر آية قرآنية تكون مِسكَ الختام لهذا المقال وهى " المالُ والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا " (الكهف 46).

وأرجو أن أكون قد وُفِقتَ فى طرح هذا الموضوع ، مع خالص الشكر لأصدقائى الصينيين الذين ساعدونى فى معرفة المزيد من المعلومات عن هذه السياسة وشروط تطبيقها ، والشكر موصول للقارىء العزيز.

كاتب المقال: باحث عراقى فى الشئون الصينية يعمل فى بكين.

[1] [2] [3] [4]

ارسل المقال   اطبع المقال
معرض الصور المزيد
ملاحظات
1. حافظوا على القوانين، والانظمة المعنية التى وضعتها جمهورية الصين الشعبية، وحافظوا على الاخلاق على الانترنت، وتحملوا كافة المسؤوليات القانونية الناتجة عن تصرفاتكم بصورة مباشرة وغير مباشرة.
2. لصحيفة الشعب اليومية اونلاين كافة الحقوق فى ادارة الاسماء المستعارة والرسائل المتروكة.
3. لصحيفة الشعب اليومية اونلاين الحق فى نقل واقتباس الكلمات التى تدلون بها على لوحة الرسائل المتروكة لصحيفة الشعب اليومية اونلاين داخل موقعها الالكترونى.
4. تفضلوا بابلاغ [email protected] آراءكم فى اعمالنا الادارية اذا لزم الامر
أرشيف
دليل الاستثمارات في الصين
جميع حقوق النشر محفوظة