人民网 2017:11:15.10:43:15
الأخبار الأخيرة

مقالة خاصة: التنوع الحضاري، الحداثة ومستقبل العالم

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/  2017:10:15.10:43

    اطبع

تسيان تشنغدان: مؤرخ ومفكر صيني

تقديم: سواء في الصين أو في العالم العربي، هناك سؤال ظل يطرح منذ زمن طويل: ما مصير حضارتنا؟ هل تعني الحداثة والعولمة، نهاية الحضارات القديمة ودخول البشرية إلى حضارة جديدة وواحدة، تدور حول فلك الحضارة الغربية؟ ما مصير التنوع؟ أم أن الحداثة تتيح للحضارات القديمة فرصة الإنبعاث من جديد؟ وهل يحق للحضارات القديمة إمتلاك حداثة مغايرة للحداثة الغربية، أم أن الحداثة هي الغرب، والغرب هو "نهاية التاريخ"؟ هذه الأسئلة وغيرها، سنجد لها أجوبة في المقال التالي، للمؤرخ والمفكر الصيني تشيان تشنغدان. الذي يعود فيه إلى مختلف مراحل تكون الحضارة البشرية، ليبيّن أن "التنوع" و"التأثر والتأثير" بين الحضارات كان السمة الرئيسية لتطور التاريخ البشري، و أن "أسطورة" وجود مركز حضاري يؤثر في الآخرين ولا يتأثر بهم، هي مجرد تحريف للتاريخ. وأن العالم كان وسيظل متنوعا.

التنوع الحضاري، الحداثة ومستقبل العالم

تسيان تشنغدان: مؤرخ ومفكر صيني

ترجمة وتقديم: د.وليد عبدالله

لوحة متخيلة لحدائق بابل

كيف تشكلت الحضارة البشرية؟ إنه سؤال معقد، لا يمكن الإجابة عنه في سطور. لكن ما يمكن قوله هنا، هو أن مدة تخلص الإنسان من وضعه البدائي ودخوله الحضارة، لا تمثل سوى أكثر من واحد بالألف من التاريخ الكامل للإنسان.

يعود سبب تشكل الحضارة البشرية في وقت متأخر كهذا، إلى حاجة الحضارة إلى توفر العديد من الظروف الملائمة لنشأتها. ومن بين أهم هذه الظروف: التواصل بين الجماعات البشرية للإنسان البدائي. وهوما حفّزهم على إختراق نمط تنظمهم القديم في إطار رابطة الدم، وتشكيل كتل إجتماعية إقليمية موسعة، وهذا ما يمكن تسميته بـ"الدولة المبكرة".

نعلم جميعا أن الحضارات الأقدم قد تشكلت على ضفاف الأنهار. مثل النيل، والنهر الأصفر ودجلة والفرات ونهر الهند. وإلى جانب "الماء، هذا العامل المهم في تشكل الحضارة، غالبا مايتم تجاهل دور "التواصل". فالأنهار كانت تعد قناة التنقل الأكثر سرعة وسهولة بالنسبة للإنسان القديم. لهذا السبب، كانت الجماعات البشرية التي إستوطنت ضفاف المياه هي الأكثر تواصلا مع الآخرين. بمافي ذلك تبادل السلع، ونقل التقنيات والأدوات وكذلك الغزو والغزو المضاد. وعلى هذا الأساس كانت هذه الشعوب، هي الأكثر عرضة لضغوط التغيير، للتأقلم مع كل حادث جديد. وعبر هذه السيرورة تشكلت الحضارة البشرية، فالماء هو من وهب للإنسان الحضارة، وجمع شظايا البشرية المتناثرة هنا وهناك، لتشكيل مراكز تزدهر فيها الحضارة. 

لوحة متخيلة لأثينا، أشهر مدن اليونان القديمة

الحضارة الأوروبية القديمة ظهرت على ضفة الماء أيضا، غير أنها كانت على سواحل البحر وليس الأنهار. خلافا لبقية الحضارات القديمة، كانت "المدن " ميزة الحضارة اليونانية، ورغم ظهور المدن في حضارات أخرى، مثل مدن الحوض السفلي لحضارة بلاد الرافدين. لكن نظام المدن في اليونان كان أكثر ترسّخا، ولم يشهد تغيرا أو تقدما لوقت طويل. ومئات من هذه المدن كونت "عالم الإغريق"، وتبادلت بينها حروب الكرّ والفرّ دون هوادة.

في مناطق أخرى من العالم، مثْل: فارس ومصر وبلاد الرافدين والصين، كان تطور الحضارة بإتجاه "الإمبراطورية" وبروز الدول الإقليمية القوية، وكان ذلك السمة المشتركة للعالم القديم. لكن هذا لم يحدث بالنسبة لليونان، وهو ماسهل عملية إندثار هذه الحضارة العظيمة. لقد كان وضع اليونان خاصا جدا، ولم يشهد النموذج اليوناني تعميما في العالم القديم. مع ذلك، ظهر في التاريخ الحديث من إدّعى بأن هذه الظاهرة الخاصة "كونيّة". ومن ثمّ، تم تحريف التاريخ.

التراث الآخر الذي تركته اليونان القديمة هو النظام الديمقراطي لمدنها، وهذا أيضا أُعتبر بأنه كان يمثل "قيمة كونية" في العالم القديم. لكن من بين مئات المدن اليونانية القديمة، كانت ديمقراطية أثينا في عهد بريكليس تمثل إستثناء،ولم تستمر في تاريخ اثينا نفسها سوى 80 سنة فحسب؛ بينما كانت بقية المدن اليونانية لديها أنظمة سياسية مختلفة، مثلا: إسبرطا. الجدير بالإهتمام هنا: أن روما بصفتها وارثة الحضارة اليونانية، جسدت في عدة مناحٍ التقاليد اليونانية، لكن على المستوى السياسي كان هناك إنحراف واضح. حيث إنطلقت روما من نموذج المدن اليونانية، لكن سرعان ماتحولت إلى إمبراطورية، ودولة ذات سلطة شديدة التركز. لقد صحّحت روما العديد من الممارسات اليونانية، وكان تطورها أكثر تلاؤما مع الإتجاه العام للعالم القديم. وعلى ضوء ذلك، يمكن القول أن روما كانت أكثر "كونيّة" من اليونان.

أردت الإشارة إلى هذه الحقائق، بُغية التوضيح بأن الحضارات كانت منذ البداية متعددة ومتنوعة. وكل حضارة لديها خلفيتها الزمانية والمكانية الخاصة بها. لقد كانت بلاد الرافدين منبع الحضارة البشرية الأولى، لكن الغريب أنها لم تتطور بإتجاه المثال اليوناني، ولم تؤسس إمبراطورية بحجم روما، رغم بروز دول قوية مثل بابل وأشور.بل ظلت تعيش حروبا غير منقطعة وإنقساما إلى ساعة ظهور الإسلام، حيث تحولت إلى مركز إقتصادي وسياسيي عالمي.

في المقابل نجد الأمر مختلفا بالنسبة لمصر الفرعونية. حيث نجحت مصر في تحقيق الوحدة قبل 3000 سنة من الميلاد، وأسست نظام حكم يجمع بين سلطة الآلهة وسلطة الملك. لكن لاحقا، دُمرت مصر من قبل روما؛ والغريب في الأمر، أنه بعد أن غزى يوليوس قيصر مصر، تحولت "جمهورية روما" إلى "الإمبراطورية الرومانية"، وهذا يجعل أدعياء "الكونيّة" اليوم في موضع محرج، لأنه وفقا لمفهوم "الكونيّة:، من المفترض أن تكون "الإمبراطورية" مرحلة سابقة لولادة "الجمهورية" وليس العكس.

الهند تختلف عن مصر أيضا، فبعد قدوم الآريين وتدميرهم لحضارة الهند القديمة، جلبوا معهم النظام الطبقي. وفي ظل الحكم الصارم لهذا النظام، استقر المجتمع الهندي، بعد أن عاش لزمن طويل أوضاعا مضطربة بسبب الحروب بين الممالك الصغيرة.

إيران هي أيضا مهدا للحضارات القديمة، وقد سبق لبهلوي أن تفاخر ذات مرة: "إن إيران القديمة هي أول دولة أسست إمبراطورية وتعلمت طريقة إدارتها، وكانت تجربتها أسوة للإمبراطوريات التي أعقبتها". لكن فارس هُزمت في حربها مع الإغريق، ورأى الإغريق في ذلك إنتصارا للحرية على العبودية(متناسين نظام العبودية الذي يطبقونه). لكن لاحقا، هُزم الإغريق في حربهم ضد المقدونيين، وفي نظر الإغريق، يعد المقدونيين شعبا "ليس حرّا". لكن المدهش: أن الإغريق تبعوا حملة الإسكندر إلى الشرق فأسسوا "حكما إستبداديا" متراميا من حدود الهند شرقا إلى تونس غربا، مع أنهم كانوا دائما يستهجنون هذا النمط من الحكم. إن هذه الفترة التاريخية تمثل مفارقة، وتبيّن مرة أخرى أن الحضارة لايمكن أن توجّهها أيديولوجية واحدة وثابتة.

كونفوشيوس، الشخصية الروحية الأهم للحضارة الصينية

 تمثل الصين القديمة، الظاهرة الأكثر غموضا وعصيانا على الفهم بالنسبة للغربيين. فقبل أكثر من 5000 سنة، تشكلت عدة ممالك على الأراضي الشاسعة ما بين هضبة اللوس وبحر الشرق؛ ثم شيئا فشيئا بدأت هذه "الممالك" تندمج فيما بينها، ثم أخذت في النهاية تتطور بإتجاه دولة موحدة. وحينما كانت أوروبا لاتزال في عصر هوميروس ( أو ما يعرف بعصر البطولة)، كان أباطرة أسرة تشو قد اعتمدوا نظام الإقطاع في توزيع الأراضي وتنظيم الرتب الإجتماعية. في حين لم يبدأ هذا النظام في الظهور تدريجيا في مملكة الفرنجة الأوروبية إلا بعد إنهيار روما الغربية.

     أدى النظام الإقطاعي في أسرة تشو الغربية إلى إنقسام اجتماعي خطير، وإستمرت الإضطرابات تعصف بالصين لمئات السنين، تماما مثل تلك الإضطرابات الطويلة التي عاشتها أوروبا الغربية بعد إنهيار روما الغربية ونشوء النظام الإقطاعي. غير أن نجاح الإمبراطور تسينغ شيهوانغ في توحيد الصين في القرن الثالث ق.م ضمن إستمرار الحضارة الصينية.

    إلى جانب عامل التوحيد السياسي، هناك عامل فكري قوي أيضا، وهي أفكار كونفوشيوس. فقد ولد كونفوشيوس في العصر المحوري، وكان يأمل نهاية الحروب، والعودة إلى النظام. وعلى ضوء ذلك قام بصياغة بنية فكرية متكاملة حول النظام. ومنذ ولادة هذه الأفكار، إستمرت لآلاف السنين تمثل الحاضنة الروحية للحضارة الصينية. فعلى مدى الاف السنين من التاريخ الصيني، كان الإزدهار الإقتصادي مرتبطا دائما بالإستقرار الإجتماعي، والفوضى مرتبطة بالبؤس. لذلك، فإن ترسخ أفكار كونفوشيوس في الحضارة الصينية يعود إلى إنبعاثها من العمق الإجتماعي الصيني.

     تنشأ الحضارة داخل حاضنتين، الحاضنة السياسية: وهي الدولة. والحاضنة الروحية: وهي الأيديولوجية. وإن عظمة العصر المحوري، تتمثل في تأسيسه للحواضن الروحية للعديد من حضارات العالم. لاحقا، ورثت واختلفت عدة حضارات بدرجات متفاوتة الموروث الروحي للعصر المحوري أثناء مراحل تقدمها. وقد شكل الإندماج القوي بين أفكار كونفوشيوس وهيكلية الإمبراطورية، تزاوجا تاما بين الإيديولوجية والدولة.

    بالمقارنة مع الصين، لم يكن الوضع في أوروبا الغربية على هذا النحو. فهناك، لم يحدث زواج مثالي بين الايديولوجية والدولة، وهو ما عاد بتأثيرات سلبية على تطور الدولة. فحينما صعد نجم إمبراطورية أسرة تهانغ الصينية في القرن السابع الميلادي، دخلت أوروبا "عصر الإقطاع"، وحدث إنفصام بين نظام الدولة والايديولوجية. ما دفع لاحقا إلى تباعد المسافات بين الشرق والغرب. فاستمرت معادلة الشرق "المتقدم" والغرب "المتخلف" ثابتة لم تتغير لوقت طويل.

كاريكاتور يصف تقاسم العالم بين القوى الاستعمارية الأوروبية

أدّى النظام الإقطاعي في أوروبا الغربية إلى إنقسام المجتمع وفقدانه القدرة على التماسك. لذلك، مثلت الحاجة إلى إعادة تأسيس دولة موحدة، مخرجا للغرب من وضعه المتخلف؛ في هذه المرة، قام الغربيون بإختراع مفهوم "الدولة القومية الحديثة". حيث إعتمد هذا التصور الجديد للدولة "المجتمع الوطني" كذراع دعم للسياسة، وشعور الهوية القومية كدعامة فكرية. وعلى صهّوة هذه الدولة، بدأ الغرب طريقه لتحقيق النهضة. ومن المهم الإشارة إلى أن الدولة القومية في أوروبا قد خطت خطواتها الأولى في إطار النظام الإستبدادي، وكانت هذه المرحلة هي بداية النهضة الغربية. رغم أن البعض الآن لا يرغب إطلاقا في الإعتراف بأن الحكم الإستبدادي سبق أن انتشر على نطاق واسع في الغرب. لكن التاريخ لا يمكن محوه.

    مع ظهور الدولة القومية في أوروبا، دخلت البشرية مرحلة جديدة، سمتها الرئيسية صعود العالم الغربي. وانقلبت بذلك معادلة الشرق "المتقدم" والغرب "المتخلف". وأصبح الغرب في هذه المرحلة القاطرة الجديدة للعالم. ومنذ ذلك العهد نشأت "نظرية المركزية الغربية"، ومقولة "الكونيّة". غير أن المعنى الحقيقي للكونية كما قدّمت هو الإعتقاد بأن الغرب هو العالم، (أو بمعنى مغاير أن الغرب يرى نفسه العالم). وفي هذه الحالة، لم يعد من مجال للحديث عن التنوع الحضاري.

منذ عصور الإستكشافات الجغرافية، بدأ الغرب التنازع على المستعمرات. وبحلول نهاية القرن الـ19، إكتملت معالم الهيمنة الغربية على العالم. ومن ثمّ، بلغ وضع التعايش بين الحضارات المختلفة، الذي كان سائدا منذ القدم، أنفاسه الأخيرة. وفي حقيقة الأمر، لقد كانت مختلف حضارات العالم في وضع ندّي ومتساوٍ إلى غاية بدء موجات التوسع الإستعماري. لكن حينما أطبقت مخالب الرأسمالية على مختلف أنحاء العالم، بدأت كفة الغرب ترجح بوضوح أكثر فأكثر. وكُسرت هيبة العلاقة الندية والمتساوية بين الحضارات، وباتت العديد منها تواجه خطر الأفول. وبرزت تصنيفات للحضارة، بين ماهو "أعلى شأنا"، وما هو "أحطّ شأنا". وظهرت نُبوئة "هجرة" حضارات العالم إلى الحضارة الغربية.

لقد طرح جوزيف توينبي نظرية "التحدي والإستجابة" كآلية لتفسير صراع البقاء بين الحضارات، ورأى بأن هذه الجدلية، هي التي تحكم أفول وإستمرار الحضارات. وسواء أصابت هذه النظرية أم أخطأت، فإن الحقيقة التي لا تخفى علينا: هي أن الهيمنة الغربية حينما بلغت أوجها، وحينما باتت العديد من الحضارات تواجه خطر الفناء، تشكلت حركة عالمية: هي "التحديث". واليوم، رغم أن الغرب قد أتم مسيرة الحداثة، لكن التنوع الحضاري لم ينقرض من العالم. لأن "التحديث" بات وسيلة لنهوض الحضارات القديمة. لابل أن التنوع إستمرّ حتى داخل الدول الغربية ذاتها.

أولا، إن طريق التحديث يختلف من بلد إلى آخر. في بريطانيا أخذ التحديث طريقا سلميا وتدريجيا، وفي فرنسا، أُستعمل العنف الثوري؛ أما ألمانيا فاختارت طريقا مغايرا، وفضلت أمريكا الإستقلال أولا.

ثانيا، يختلف النظام السياسي من بلد إلى آخر. ومبدأ "التفريق بين السلط الثلاث"، لايُحترم بشكل حقيقي إلا في أمريكا. لذا، فإن القول بأن النظام الأمريكي هو نظام "كوني"، هو بمثابة القول بأن نظام "أثينا بريكليس" كان "نظاما كونيا". أما التبيانات على مستوى النظام الإقتصادي والإجتماعي فهي أكثر عمقا، إذ في حين يفضل الأوروبيون نظام الإمتيازات؛ يرى الأمريكيون أن ذلك يمثل بؤرة للكسل. ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا ظهر كينز في بريطانيا، وفريدمان في أمريكا.

أخيرا، خلال مسيرة تطورها، عملت الدول الغربية بشكل مستمر على تغيير طرقها وأنظمتها. وحتى داخل الدولة الواحدة، نجد إتجاهات إجتماعية مختلفة. 

قطار "النهضة " الصيني، الأسرع عالميا

إذا كان هذا هو الحال في الدول الغربية، فإن تنوع التحديث سيكون أكثر وضوحا حينما تهب رياحه على أشرعة العالم غير الغربي. فكل دولة بإمكانها اختيار نموجا مختلفا من التحديث، ونجاحاتها غير قابلة للنسخ أو الإسقاط. فنحن لا يمكن أن نتصور بأن تكتيك غاندي كان سينجح في الجزائر. ولا نتخيل بأن أساليب مانديلا بإمكانها إنقاذ تركيا. تماما مثلما لا يمكن تصور أن الثورة الأمريكية كان بإمكانها إنجاب نابليون، أو أن حزبا مثل المؤتمر الوطني الهندي يمكن أن يجد موطأ قدم للحكم في مصر. لذا، فإن التنوع هو سر النجاح، وكل دولة بإستطاعتها البحث عن طريق التنمية الذي يناسب وضعها المحلي. وهذه هي السمة الحقيقية للحضارة الحديثة.

أما الكونية فهي لا تعترف سوى بالأحادية، غير مكترثة بتنوع مسيرة التطور الحضاري لكل دولة. وهذا ما دعى فوكوياما إلى القول: لقد إنتهى التاريخ، ووصلت البشرية إلى "ماليس بعده بعد". لكن مثل هذه المقولات ليست جديدة في التاريخ الغربي الحديث، فقد سبقه هيغل حينما قال: "إن شمس الحضارة أشرقت في الشرق، وستغرب في الغرب". والإختلاف الوحيد هو أن هيغل إعتقد أن بروسيا هي "نهاية التاريخ"؛ أما فوكوياما فرأى أن أمريكا من تمثل "نهاية التاريخ". لكن كيف يمكن الحديث عن وصول البشرية إلى النهاية، في الوقت الذي لاتزال أمريكا نفسها عرضة للتغيير ولم تصل بعد إلى "نهاية التاريخ"؟

إن أكثر تجارب التحديث نجاحا وإثارة للإهتمام خلال القرن الـ20، كانت غالبا في مراكز الحضارات القديمة. وما دفع هنتغتون إلى طرح نظرية "صدام الحضارات" هو إعتقاده بأن تعافي الحضارات القديمة بات المشكلة الرئيسية بعد أن آل صراع الحرب الباردة إلى "نهاية التاريخ". لكن التنوع الحضاري لا يعني بالضرورة الصدام. وهل أن الصدام يعني صراع "الحياة والموت"؟ !

بعد أكثر من 100 سنة من التحديث، إستطاعت الحضارات القديمة أن تظفر بعنفوان جديد، وإستعادة ثقتها وإيجاد ذاتها التائهة؛ كما أن العلاقة الندية والمتساوية بين الحضارات، والتي إنحرفت بفعل الهيمنة الغربية، قد أخذت منعرج العودة من جديد. إن هنتغتون يعتبر ذلك "صداما بين الحضارات"، لكنني أرى ذلك "عودة الحضارات العريقة". وهذه "العودة" تعني إستعادة التنوع الحضاري للعالم، وإستعادة مختلف الحضارات العلاقات الندية والمتساوية بينها. وتعني أيضا، إعادة التفكير في المعاني المعاصرة لقيم الحضارات القديمة، وتوظيف حكمتها في معالجة قضايا المجتمع البشري الحديث. مثل: علاقة الإنسان والطبيعة؛ علاقة الأخلاق والمصلحة؛ علاقة الفرد بالمجموعة؛ وعلاقة الحرية بضبط النفس. 

(نشر هذا المقال في نسخة أولى وثانية معدّلة بالمجلة الأكاديمية لجامعة بكين) 

صور ساخنة

أخبار ساخنة

arabic.people.cn@facebook arabic.people.cn@twitter
×