بقلم: د. أحلام بن إبراهيم
يشهد الاقتصاد الرقمي في الصين تحولًا جذريًا، حيث يبرز نموذج اقتصادي جديد يقوم على الفرد والمجموعات الاستهلاكية الصغيرة باعتبارهما المحرك الرئيس للنمو والابتكار. هذا النموذج، الذي يمتد بوتيرة متسارعة في مختلف القطاعات، لا يقتصر على استكمال النمو التقليدي المبني على رأس المال أو البنية التحتية الضخمة، بل يمثل تحولًا هيكليًا واستراتيجيًا يعتمد على استثمار القدرات البشرية، والإبداع، وروح المبادرة الفردية، مع الاستفادة من المنصات الرقمية الحديثة كآليات لتوزيع النشاط الاقتصادي على المستويات الاجتماعية كافة، بما يعزز توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية وتمكين الفرد من خلق القيمة.
ومع هذا التطور البنيوي، يظهر بوضوح أثره على تمكين الوحدات الاقتصادية الأساسية، أي الأفراد والمشاريع الصغيرة، من المشاركة الفاعلة في النشاط الاقتصادي، عبر وسائل رقمية متاحة وسهلة الاستخدام، مثل إنتاج المحتوى الرقمي، والتجارة المباشرة عبر البث الحي، وأنظمة الدفع الإلكتروني.
هذه الوسائل تُسهل على الأفراد الانخراط في تجارب الابتكار وريادة الأعمال، وتوسع نطاق المشاركة ليشمل شرائح واسعة من المجتمع. من المزارعين الذين يستخدمون المنصات الرقمية لتسويق منتجاتهم المحلية، إلى المشاريع الصغيرة القائمة على المهارات الفردية والخبرات المجتمعية. فتنتقل الحيوية الاقتصادية تدريجيًا من القطاعات الكبرى إلى الاقتصاد الاجتماعي الرقمي، ليشكّل نموذجًا حيًا للابتكار الجماعي الشامل.
على المستوى البنيوي، يعكس هذا النموذج إعادة هيكلة دقيقة لتنظيم الموارد الاجتماعية وتوزيعها. فتشكّل شبكات الشراء الجماعي المرتبطة باحتياجات المجتمعات المحلية، والمحتوى الرقمي المستمد من الخصوصيات الثقافية لكل منطقة، وسلاسل التوريد المرنة المبنية على التعاون بين المنصات، آليات فعّالة لتحسين تخصيص الموارد وزيادة قدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.
ومن خلال هذه الشبكات، تتكامل الأنشطة الاقتصادية المتفرقة لتكوّن منظومة ابتكار مرنة وقابلة للتكيف، وهو ما يعكس الطبيعة المجتمعية العميقة للاقتصاد الرقمي، الذي يتجاوز كونه مجرد أداة تقنية ليصبح تحولًا تنظيميًا واجتماعيًا يرفع من كفاءة الحوكمة الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يمكن لهذا النموذج أن يحقق استدامة حقيقية إلا في ظل بيئة مؤسسية داعمة وتنمية مستمرة للقدرات البشرية. فالانتقال من مرحلة "المشاركة الواسعة" إلى مرحلة "النمو النوعي عالي الجودة" يتطلب تجاوز التركيز على التوسع الكمي نحو تعميق القيمة النوعية للنمو. ويشمل ذلك تطوير المهارات الرقمية والمعرفة التقنية، وتحسين نظم عمل المنصات لضمان بيئة عادلة وشفافة، إلى جانب تقديم دعم مؤسسي وخدمات عامة دقيقة تعزز الابتكار المستمر. وتشكل هذه الإجراءات الضمان الأساسي لاستمرارية الاقتصاد الرقمي بكفاءة وفعالية عالية.
وعلى المستوى الاجتماعي، يسهم هذا الاقتصاد في توسيع قاعدة الابتكار وتعزيز المشاركة المجتمعية في التنمية. فهو يحوّل الإمكانات التقنية والموارد الرقمية المتاحة إلى أدوات تمكين اقتصادي متاحة لملايين الأفراد، ما يضاعف عدد المشاركين في العملية التنموية ويعزز الإبداع الجماعي، ويجسّد هذا النموذج مبدأ التنمية المتمحورة حول الفرد، حيث تنبع فرص النمو من القدرات والإمكانات الشخصية، فتتجسد ثمارها في إثراء المجتمع بأسره وتعزيز رفاهيته المستدامة.
وعند النظر إلى المستقبل، يمكن اعتبار الاقتصاد الرقمي المبني على الأفراد تجربة نموذجية لتطبيق التنمية المتمحورة حول الفرد في العصر الرقمي. فحين تُستثمر الطاقات الفردية، وتُربط الشبكات الاجتماعية والاقتصادية، وتُدعم ضمن بيئة مؤسسية واضحة، يتشكل مصدر نمو مستدام وقوي قادر على دعم ظهور قوى إنتاجية جديدة والمساهمة بثبات في مسار الازدهار المشترك، عبر تحويل الطاقات الفردية إلى منفعة عامة مستمرة.
كما يمكن لهذا النموذج أن يفتح آفاقًا جديدة للابتكار الاجتماعي المستدام، من خلال تشجيع المبادرات الفردية على التفاعل مع المجتمع المحلي، والحد من الفوارق الاقتصادية، وتعزيز التكافل الاجتماعي. ويمكن الاعتماد على التحليلات الرقمية الدقيقة لتعزيز تخصيص الموارد ودعم اتخاذ القرارات الاقتصادية على المستوى المحلي، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تصبح المنظومة الرقمية المبنية على الأفراد منصة متكاملة لتعزيز التنمية الشاملة، وترسيخ المعرفة التشاركية، وبناء مجتمع نابض بالإبداع والمبادرة الفاعلة.


دونهوانغ تحقق أول تزود بالكهرباء الخضراء على مدار عام كامل
طائرة شحن بدون طيار صينية الصنع تجري أول رحلة لها في عمان
مسارات جري على شكل الخيول تلقى شعبية في الصين مع اقتراب عام الحصان
أسرار صناعة المجوهرات سوبي الفضية: إرث جمال الحلي الفضية المنغولية
روبوت صغير يؤدي مهام كبيرة على كوابل الكهرباء فوق المرتفعات الجليدية
تيانجين: متحف الشوكولاتة يقدم تجربة فريدة لزائريه
روبوت ذكي يقود الأوركسترا في حفل رأس السنة الجديدة 2026 في جيانغشي
في جوٍّ متجمّد… الشرطة والمواطنون يتعاونون لإنقاذ ثلاثة غزلان نادرة
"سوهاي 1"، أول سفينة في العالم لتربية السلمون تبدأ أول عملية استزراع في المياه العميقة
الجدّة المزارعة، تثير الإعجاب بإتقانها استعمال الآلات الزراعية الذكيّة
"غرف مراقبة النجوم" تضيء القرية الجبلية الصغيرة
منحوتات "عائلة رجال الثلج" تنشر البهجة لدى زائري هاربين