الصفحة الرئيسية >> الأعمال والتجارة

فهم الاقتصاد الصيني (11): هل يوجد صراع خصومة بين الصناعات الجديدة والصناعات التقليدية في الاقتصاد الصيني؟

زعمت بعض وسائل الإعلام الغربية مؤخرا أن الاقتصاد الصيني يمر بما أسمته "قصة الجليد والنّار". ووفقا لوجهة النظر التي قدّمتها، فإنه بينما تشهد صناعات التكنولوجيا الفائقة في الصين توهجا، فإنها لا تمثل حسب زعمهم سوى حصة ضئيلة من الاقتصاد الكلي. وفي المقابل، فإن الصناعات التقليدية التي لا تزال تستحوذ على حصة الأسد من الناتج المحلي الإجمالي عالقة حسبما يزعمون في "ركود خانق". غير أن هذا المنظور الغامض يقع في فخ الخلط بين الجزء والكل، إذ يصعب بطبيعته التوصل إلى استنتاجات دقيقة من خلال تجزئة القطاعات الاقتصادية المترابطة والمتشابكة وتفسيرها بصورة منفصلة ومجزأة.

وهنا يبرز سؤالان جوهريان ينبغي الإجابة عنهما. أولا: من منظور رقمي مطلق، هل تُعد حصة صناعات التكنولوجيا الفائقة في الناتج المحلي الإجمالي الصيني "ضئيلة" بالفعل مقارنة بالقطاعات التقليدية؟

من المرجح أن هذا الانطباع قد تجاوزته الأحداث. فمع الطفرة السريعة التي تشهدها قطاعات التكنولوجيا الفائقة، تتقلص الفجوة بينها وبين القطاعات التقليدية بوتيرة ملحوظة. ففي عام 2024، ارتفعت القيمة المضافة للصناعات الجديدة وأنماط الأعمال الجديدة ونماذج الأعمال الجديدة في الصين، لتصل إلى 18 % من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقا لتقديرات بلومبرغ، من المرجح أن ترتفع حصة صناعات التكنولوجيا الفائقة والصناعات الخضراء في الناتج المحلي الإجمالي الصيني للعام الحالي إلى نحو 20 %، ما قد يجعلها تتفوق على قطاع العقارات للمرة الأولى. وكانت بلومبرغ قد توقعت سابقا أن تمتلك صناعة التكنولوجيا الفائقة في الصين القدرة على التحول إلى محرك أكثر أهمية للنمو الاقتصادي.

أما السؤال الثاني فهو: هل توجد الصناعات القائمة على التكنولوجيا الفائقة والصناعات التقليدية في علاقة خصومة وصراع من نوع رابح وخاسر؟

رغم أن الصين تمر بالفعل بمرحلة انتقال بين محركات النمو القديمة والجديدة، فإن الأمر لا يتعلق بالصراع أو الإحلال الكامل، بل هو أقرب إلى عملية نمو وتصاعد لأحد الطرفين بالتزامن مع تعميق وتجذير للطرف الآخر، إذ يعمل كلاهما معا على دعم النمو المطّرد لتمتين صلابة الاقتصاد الصيني.

إن الصناعات الجديدة لا تنشأ أبدا من فراغ، بل تقوم على ركائز نظام صناعي متكامل، وبنية تحتية ناضجة، وسوق استهلاكية ضخمة، وخبرات هندسية واسعة النطاق. ولولا القدرات التصنيعية وأنظمة سلاسل التوريد التي راكمتها صناعة السيارات التقليدية على مدى عقود، لما كان تحقيق الاختراقات المتسارعة في مجال مركبات الطاقة الجديدة ممكنا.

كما أن الانتشار الواسع للانترنت الصناعي لا ينفصل عن السيناريوهات الواقعية والمتنوعة التي توفرها قطاعات مثل الصلب والآلات والكيماويات والمنسوجات. وبالمثل، فإن التطور المستمر للمعدات المتقدمة يعتمد على الدعم الراسخ الذي توفره مجموعة واسعة من المواد الأساسية والمكونات العامة والقوى العاملة الماهرة. ولذلك فإن سردية "النار والجليد" تقوم ببتر السلسلة الصناعية، إذ تعجز عن إدراك تلك العلاقة العميقة والمتشابكة التي تربط بين حلقاتها المختلفة.

وفي الوقت نفسه، لم تفقد الصناعات التقليدية أهميتها في أعقاب الثورة التكنولوجية والصناعية الجديدة. بل إنها، من خلال التحولات الخضراء والذكية، تبرهن على حيوية المقولة القائلة إن "الأشجار القديمة تُنبت فروعا جديدة". فبدءا من التحديث الذكي لمصانع الصلب، مرورا بالتصميم الرقمي في قطاع المنسوجات، وصولا إلى السعي نحو تطبيق المعايير الخضراء والدقة المتناهية في الأجهزة المنزلية ومواد البناء والآلات، يشهد عدد متزايد من الصناعات التقليدية تحولات نوعية في الجودة والكفاءة والقوى الدافعة، وذلك بفضل التحديثات التكنولوجية وتجديد المعدات وتحسين العمليات وتطوير أساليب الإدارة.

وقد نجحت بالفعل العديد من "الوجوه القديمة" في المشهد الصناعي في دمج "جينات جديدة"، مثل المصانع الذكية والتصنيع المرن والبرمجيات الصناعية والمعايير البيئية الخضراء.

وفي عام 2025، انخفض استهلاك الطاقة لكل وحدة من القيمة المضافة في الصناعات الرئيسية كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما في ذلك مواد البناء والصلب والمعادن غير الحديدية، مقارنة بالعام السابق، ما يثبت أن الصناعات التقليدية هي الأخرى تشهد تحسنا في الجودة والكفاءة في ظل موجة الثورة التكنولوجية.

إن السردية التي تروج لها بعض وسائل الإعلام الغربية تحت مسمى"الجليد والنّار" تشير إلى أنها رصدت التغييرات الجارية في التحول الاقتصادي للصين، لكنها لم تستوعب بعد المنطق الجوهري الكامن وراء هذه التغييرات. فالصين تسعى إلى تحقيق حالة من "التوازن الديناميكي" عالي المستوى عبر تسريع وتيرة القوى الدافعة الجديدة وتنشيط القوى التقليدية القائمة.

وبالنسبة للاقتصادات الصغيرة، قد يُحدث اختراق في قطاع صناعي واحد فارقا جوهريا يؤثر في مسار البلاد بأسرها. أما بالنسبة لاقتصاد ضخم بحجم الاقتصاد الصيني، فمن الضروري إقامة توازن دقيق بين توسيع نطاق القطاعات الجديدة وتحديث القطاعات القائمة، بما يضمن تعزيز الصناعات الناشئة بالتوازي مع تحويل وتطوير الصناعات التقليدية. وكما أن ناطحة السحاب تحتاج إلى أساس متين لإضافة طوابق جديدة إليها، فإن القيمة الحقيقية للاقتصاد الصيني تكمن في بناء منظومة متكاملة قادرة على ترجمة الابتكارات التكنولوجية بسرعة إلى إنتاج واسع النطاق، وعلى دمج أحدث التقنيات باستمرار ضمن طيف واسع من التطبيقات العملية.

قطارات فائقة السرعة تجوب أرجاء البلاد، وشبكات كهرباء تصل إلى ملايين المنازل، ومصانع تُسرّع وتيرة تحولها الذكي والرقمي، ومنصات تعيد تشكيل أساليب الإنتاج والتوزيع… إننا نأمل أن يزور الناس من مختلف أنحاء العالم الصين ليروا البلاد بأعينهم. فمن خلال التجول في ورش المصانع وخطوط الإنتاج ومجمعات الابتكار العلمي والتكنولوجي والمراكز التجارية والأسواق المحلية، سيتمكن الزوار من تكوين فهم أعمق للصورة الحقيقية لهذا الاقتصاد الضخم الذي يتكشف وينمو باطراد في خضم رحلة تحوله. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها إدراك الكيفية التي يتمكن بها الاقتصاد الصيني من عبور العواصف بثبات، ومواصلة التقدم بفضل جهود دؤوبة ومتواصلة.

صور ساخنة