الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

من الشعر إلى الفلسفة والفن: تجربة الوفد العربي في قلب الثقافة الصينية

من الشعر إلى الفلسفة والفن: تجربة الوفد العربي في قلب الثقافة الصينية
مصدر الصورة: اتحاد بكين للدوائر الأدبية والفنية

بقلم/ د. فايزة سعيد كاب

بدعوة من اتحاد الكُتّاب الصينيين، وبالتعاون مع دائرة الدعاية التابعة للجنة الحزب الشيوعي الصيني بمقاطعة قوانغدونغ ودائرة الدعاية التابعة للجنة الحزب الشيوعي الصيني بمدينة بكين، شاركتُ في بكين يوم 15 مايو في جانب من الأنشطة المنظمة ضمن "المهرجان الدولي لشعر الشباب عام 2026 (الدورة الخاصة بالصين والدول العربية)"، الذي أُقيم خلال الفترة من 8 إلى 17 مايو 2026 في كلٍّ من قوانغدونغ وبكين، بمشاركة نخبة من الشعراء الشباب العرب والصينيين، في إطار سلسلة من الندوات الأدبية، والتبادلات الإبداعية، والزيارات الثقافية.

وقد شكّلت هذه المشاركة فرصةً ثمينة للقاء عدد كبير من الشعراء الشباب العرب والصينيين، والمشاركة في ندوة شعرية وأنشطة للتبادل الثقافي والإبداع المشترك في جامعة بكين للمعلمين، في أجواء عكست عمق الحوار الثقافي وروح التقارب الإنساني بين الجانبين العربي والصيني.

افتُتحت الندوة الشعرية المنعقدة في جامعة بكين للمعلمين بإلقاء مجموعة من الطلبة الصينيين قصيدة «لو مينغ» (鹿鸣) من كتاب «شي جينغ» (诗经)، أقدم ديوان شعري صيني محفوظ، والذي يعود تاريخه إلى الفترة الممتدة بين القرن الحادي عشر والقرن السادس قبل الميلاد، ويضم 305 قصائد تتنوع موضوعاتها بين الاجتماعي والسياسي والعاطفي والاحتفالي.

وتُعد قصيدة «لو مينغ» (غناء الغزال) من أبرز قصائد هذا الديوان، إذ ارتبطت منذ القدم بمراسم الترحيب بالضيوف في الولائم والمناسبات الرسمية. وفي صورها الشعرية العذبة، يظهر الغزال وهو ينادي في الغابة، في استعارةٍ تحتفي بالضيوف وتشبّه حضورهم بالحياة والطبيعة، معبّرةً عن قيم الاحترام، والانسجام، والفرح الجماعي. وقد أضفى إلقاء الطلبة الصينيين لهذه القصيدة في افتتاح الندوة أجواءً ثقافية وإنسانية عميقة، عكست جمال التراث الشعري الصيني وروح التواصل الحضاري بين الثقافتين العربية والصينية.

وبعد الكلمة الترحيبية التي ألقاها مدير جامعة بكين للمعلمين، بدأت الصباحية الشعرية بتناوب الشعراء العرب والصينيين على إلقاء قصائدهم، في مشهد ثقافي نابض بالحياة والجمال. وقد تنوعت النصوص الشعرية بين الرومانسية والواقعية والتأملات الإنسانية، حاملةً أصواتًا وتجارب تنتمي إلى ثقافات مختلفة، لكنها تلتقي جميعًا في لغة الشعر والوجدان. وامتلأت القاعة بدفء الكلمات وتمازج الإيقاعات العربية والصينية، في أجواء صنعت حالة شعورية فريدة، امتزج فيها الحس الإنساني بروح الإبداع، وكأن القصائد كانت تبني جسورًا خفية بين القلوب قبل اللغات. وقد منح هذا التلاقي الشعري الصباح طابعًا استثنائيًا، عكس عمق الحوار الثقافي وجمال التقارب الإنساني بين الحضارتين العربية والصينية.

مصدر الصورة: اتحاد بكين للدوائر الأدبية والفنية

مصدر الصورة: اتحاد بكين للدوائر الأدبية والفنية

توجّهنا بعد ذلك إلى مصنع بكين للمينا، أحد أبرز الفنون الصينية التقليدية العريقة، والمعروف بالإنجليزية باسم Cloisonné . يقوم هذا الفن على تزيين الأواني والتحف المعدنية، وغالبًا ما تكون من النحاس، عبر أسلاك معدنية رفيعة تُشكّل حواجز دقيقة تُرسم من خلالها الزخارف والنقوش، ثم تُملأ الفراغات بينها بمادة المينا الملوّنة، قبل أن تُحرق وتُصقل بعناية لتكتسب بريقها النهائي. ويحتضن المتحف مجموعة متميزة من الأعمال الفنية، تنوعت بين قطع حديثة وإبداعات تراثية نادرة، عكست في مجملها براعة الحِرفة الصينية وثراءها الجمالي الممتد عبر الزمن.

وفي هذا الفضاء المفعم بالألوان والدقة والتفاصيل، تتجلى روح أحد أقدم الفنون الحرفية في الصين، حيث تتجاور الدقة التقنية مع جمال اللون وعمق التاريخ في مشهد بصري متكامل، تتداخل فيه اللمسة الفنية مع الذاكرة الحضارية الممتدة عبر القرون. وكانت تناغمات الألوان على القطع الفنية توحي وكأنها تنسج قصائد صامتة، في حوار رقيق بين اللون والكلمة، وكأن هذا الفن العريق يخاطب الزائرين، ولا سيما الشعراء، بلغة جمالية تتجاوز حدود التعبير التقليدي إلى فضاء من الإحساس البصري والشعري في آن واحد.

تُعدّ الصين، بما تحمله من عمق ثقافي عريق في الأدب والشعر والفنون، لوحة حضارية متكاملة تمتد لتشمل أيضًا مطبخها التقليدي الغني والمتنوع، الذي يختلف من مدينة إلى أخرى ويعكس تنوع الجغرافيا والذاكرة الثقافية للشعب الصيني. وفي هذا السياق، تشتهر العاصمة بكين تحديدًا بأحد أشهر أطباقها على الإطلاق، وهو بط بكين المشوي، الذي يُعد رمزًا من رموز المطبخ الصيني التقليدي، ويتميز بطريقة تحضيره الدقيقة ونكهته الفريدة وقيمته الثقافية التي تتجاوز كونه مجرد طبق غذائي إلى تجربة تراثية متكاملة.

تصوير فايزة

تصوير فايزة

وقد تمت دعوة الوفد الشعري إلى خوض تجربة تذوق هذا الطبق الشهير، بما في ذلك التعرف على أسلوب تقديمه التقليدي وفن تقطيعه وتناوله، في طقسٍ يعكس جانبًا مهمًا من الثقافة الصينية القائمة على الاهتمام بالتفاصيل والاحتفاء بالضيافة. ولم تكن التجربة مجرد وجبة طعام، بل لحظة تواصل ثقافي حيّ، التقت فيها الأذواق مع المعاني، واختلط فيها فن المائدة بفن الكلمة، ليعيش المشاركون تجربة إنسانية وثقافية تعكس ثراء الموروث الصيني وتنوعه، في انسجام جميل بين الشعر والمذاق والهوية.

في المساء ، استمتع الشعراء بعرض فني استثنائي على خشبة المسرح الوطني الكبير، حمل عنوان «وانغ يانغ مينغ»، وهو مسرحية رقص صيني أصيل من إنتاج فرقة قويتشو الإقليمية للأغاني والرقص. يقدّم العرض تجربة فنية متكاملة تجمع بين الأداء الجسدي الدقيق والفلسفة العميقة، في لوحة حية تعكس قدرة الفن الصيني على المزج بين الحركة والتأمل الفكري. ويركّز العمل على رحلة التحول الروحي للفيلسوف الصيني العظيم وانغ يانغ مينغ، أحد أبرز مفكري أسرة مينغ، أثناء فترة إقامته في منطقة لونغتشانغ بمقاطعة قويتشو. وقد شكّلت هذه المرحلة منعطفًا محوريًا في تطور فلسفته، حيث بلور مفاهيمه الأساسية حول الطبيعة الإنسانية وفضائل الذات، والتي يمكن تلخيصها بمقولاته الشهيرة " القلب هو المبدأ" و"وحدة المعرفة والعمل".

مصدر الصورة: اتحاد بكين للدوائر الأدبية والفنية

مصدر الصورة: اتحاد بكين للدوائر الأدبية والفنية

وفي هذا العرض، تحوّلت هذه الأفكار إلى لغة حركية بصرية، حيث استخدمت فرقة الرقص كل عنصر من عناصر الأداء، الحركة، الإضاءة، الإيقاع، والتكوين المسرحي، لتجسيد الرحلة الفكرية والروحية للفيلسوف. كل حركة راقصة كانت تحمل دلالات فلسفية، كل تنقل في الفضاء المسرحي كان يعكس صراع الذات مع المعرفة، والتوازن بين الفكر والعمل، بطريقة تجعل المشاهدين لا يختبرون المتعة الجمالية فحسب، بل يعيشون التجربة الفكرية نفسها.

لقد أضفى العرض طابعًا تأمليًا فريدًا، حيث التقى الشعر والفلسفة والفن البصري في لحظة واحدة، مما منح الشعراء الزائرين فرصة فريدة للتعرف على عمق الثقافة الصينية وتفردها في التعبير عن الفكر الإنساني من خلال الفنون الأدائية. ولم يكن هذا مجرد عرض مسرحي، بل تجربة شاملة تتجاوز حدود اللغة لتجعل الفكر والفلسفة والروح والجسد في تناغم كامل، في درس حي عن كيفية تجسيد المفاهيم المجردة عبر الفن.

صور ساخنة