الصفحة الرئيسية >> العالم العربي

مقالة: الخرطوم بعد عام من التحرير .. تعافٍ تدريجي وسط تحديات الأمن والخدمات وإعادة الإعمار

/مصدر: شينخوا/   2026:05:21.09:06

الخرطوم 20 مايو 2026 (شينخوا) بعد عام كامل على إعلان الجيش السوداني استعادة السيطرة الكاملة على ولاية الخرطوم وإنهاء وجود قوات الدعم السريع فيها، تبدو العاصمة السودانية اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها استعادة مؤسسات الدولة والخدمات والحياة اليومية، رغم استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والصحية التي خلفتها الحرب.

وفي مثل هذا اليوم من العام الماضي، أعلن الجيش السوداني، في بيان رسمي، "اكتمال تطهير كامل ولاية الخرطوم من أي وجود لعناصر الميليشيا"، في إشارة إلى قوات الدعم السريع، بعد أكثر من عامين من المعارك التي دمرت أجزاء واسعة من العاصمة وتسببت في نزوح الملايين.

ومنذ ذلك الإعلان، شهدت الخرطوم تحولات متسارعة على المستويات السياسية والأمنية والخدمية، مع تحركات حكومية لإعادة مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لعودة السكان تدريجيا إلى المدينة.

-- عودة الحكومة

وشكلت عودة الحكومة المركزية إلى الخرطوم في يناير الماضي إحدى أبرز التحولات السياسية خلال العام الجاري، بعدما ظلت مدينة بورتسودان مقرا مؤقتا لمؤسسات الحكم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وقال المحلل السياسي السوداني محمد الأمين لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن عودة الحكومة إلى الخرطوم "حملت دلالات سياسية ورمزية مهمة، باعتبارها مؤشرا على استعادة الدولة لسيطرتها على العاصمة ومؤسساتها السيادية".

وأضاف أن "الوجود الحكومي في الخرطوم أسهم في إعادة تشغيل عدد من المؤسسات الرسمية وتحريك النشاط الإداري والاقتصادي تدريجيا، لكنه لا يعني بالضرورة أن العاصمة تجاوزت مرحلة الهشاشة بالكامل"، مشيرا إلى أن الحكومة لا تزال تواجه تحديات تتعلق بإعادة الإعمار وعودة المواطنين واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب.

-- تحسن أمني تدريجي

وعلى الصعيد الأمني، شهدت الخرطوم خلال الأشهر الماضية تحسنا ملحوظا مقارنة بفترة الحرب، مع انتشار قوات الشرطة في غالبية أحياء العاصمة، إلى جانب إقامة الجيش نقاط ارتكاز رئيسية عند الجسور والمقار الحكومية والمناطق الحيوية.

وقال الخبير العسكري عبد الجليل إسماعيل لـ((شينخوا)) إن "الوضع الأمني في الخرطوم أفضل بكثير مما كان عليه قبل عام، خاصة مع عودة الانتشار الشرطي وتراجع مظاهر الانفلات المسلح".

وأوضح أن "وجود القوات النظامية داخل الأحياء والأسواق والمؤسسات ساعد في الحد من الجرائم وطمأن المواطنين العائدين إلى مناطقهم"، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الخرطوم لا تزال بحاجة إلى جهود أكبر في ملف إزالة مخلفات الحرب وتأمين المناطق الطرفية.

ومع تحسن الوضع الأمني، بدأت أعداد متزايدة من السكان في العودة إلى العاصمة، حيث استعادت بعض الأسواق والشوارع الرئيسية جزءا من حركتها المعتادة، بينما ما تزال أحياء أخرى تعاني من الدمار أو نقص الخدمات.

ووفقا لآخر تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، عاد نحو 4.1 مليون شخص إلى مناطقهم الأصلية في مختلف أنحاء السودان، في مؤشر وصفته المنظمة بأنه "بارقة أمل" وسط واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.

وأشار التقرير إلى أن أكثر من 80 بالمئة من العائدين عادوا من داخل السودان إلى تسع ولايات رئيسية، في مقدمتها الخرطوم والجزيرة وسنار، فيما انخفضت أعداد النازحين داخليا بنسبة 23 بالمئة مقارنة بأعلى مستوى سُجل في يناير 2025، حين بلغ عدد النازحين نحو 12 مليون شخص.

-- تحديات الخدمات

وفي قطاع الخدمات، تمكنت السلطات خلال العام الماضي من إعادة تشغيل شبكات المياه في غالبية مناطق الخرطوم، بعد أعمال صيانة وتأهيل واسعة لمحطات الضخ والخطوط الرئيسية التي تضررت خلال الحرب.

لكن الكهرباء ما تزال تمثل التحدي الأكبر، بسبب الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية للقطاع، بما في ذلك المحطات التحويلية وخطوط النقل.

ووفقا لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 18 مايو الجاري، تجاوزت تكلفة الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء في السودان ثلاثة مليارات دولار، بعد تدمير العديد من محطات توليد الكهرباء والخطوط الرئيسية الناقلة للطاقة في مناطق النزاع.

وقال الخبير الاقتصادي عصام الدين يوسف لـ((شينخوا)) إن "قطاع الكهرباء يحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل للتعافي الكامل، لأن حجم الأضرار يفوق الإمكانيات الحالية للدولة".

وأضاف أن "استقرار الإمداد الكهربائي يعد شرطا أساسيا لعودة النشاط الصناعي والتجاري والخدمي بصورة طبيعية"، مشيرا إلى أن ضعف الكهرباء انعكس على قطاعات الإنتاج والصحة والتعليم.

ورغم ذلك، شهدت الخرطوم خلال الأشهر الأخيرة عودة تدريجية للأسواق والمحال التجارية وورش الخدمات، بالتزامن مع تحسن نسبي في حركة النقل والمواصلات.

-- القطاع الصحي بين التعافي والأوبئة

وفي القطاع الصحي، استعادت غالبية المستشفيات المركزية نشاطها بعد عمليات تأهيل وصيانة، كما توسعت خدمات الرعاية الصحية الأولية في عدد من المناطق التي عاد إليها السكان.

وأعلنت وزارة الصحة السودانية في 30 أبريل الماضي أن أكثر من 80 بالمئة من المستشفيات والمراكز الصحية في ولاية الخرطوم عادت إلى العمل.

إلا أن القطاع الصحي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، خاصة مع استمرار تفشي بعض الأوبئة والأمراض المرتبطة بتدهور البيئة الصحية.

وقال الخبير الصحي أحمد عبد الرحمن لـ((شينخوا)) إن "القطاع الصحي أحرز تقدما ملحوظا مقارنة بفترة الحرب، لكن الضغوط ما تزال كبيرة بسبب نقص الكوادر والمعدات والأدوية".

وأضاف أن "حمى الضنك لا تزال من أبرز التحديات الصحية في الخرطوم، إلى جانب أمراض أخرى مرتبطة بتراكم النفايات وضعف خدمات الإصحاح البيئي في بعض المناطق"، مشددا على أن تحسين البيئة الصحية وتوسيع حملات المكافحة والتوعية يمثلان خطوات ضرورية لمنع تجدد موجات الأوبئة.

وبينما تحاول الخرطوم استعادة ملامحها بعد سنوات الحرب، تبدو المدينة اليوم واقفة بين مرحلتين؛ مرحلة التعافي التدريجي ومرحلة التحديات الثقيلة التي خلفها النزاع.

وقال المواطن السوداني عباس حسن لـ((شينخوا)) "بعد مرور عام كامل على التحرير نأمل أن تعود الخرطوم لسابق عهدها".

وأضاف "نأمل أن يتحسن الوضع الأمني أكثر، وأن تتم معالجة مشكلات الكهرباء، وأن تتوفر خدمات الصحة والتعليم، ونأمل في استقرار أوسع وإعادة إعمار حقيقية".

ويشهد السودان منذ منتصف أبريل 2023 حربا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها. /نهاية الخبر/

صور ساخنة