الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

من إسلام آباد إلى بلغراد: صداقات متينة ميزت العلاقات الخارجية الصينية

تواصلا للحراك الدبلوماسي الذي تشهده العاصمة الصينية في الفترة الأخيرة، وصل الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش إلى بكين في 24 مايو الجاري، تلبية لدعوة الرئيس شي جين بينغ، ليبدأ زيارة دولة إلى الصين.

وقبل ذلك بيوم واحد، كان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد حطّ رحاله في مدينة هانغتشو في زيارة خاصة. هذا التتابع المتسارع لزيارات قادة دولتين صديقتين للصين، يبعث في ظل البيئة الدولية الحالية، برسالة بالغة الدلالة، ويُلقي الضوء على عمق العلاقات الصينية-الباكستانية والصينية-الصربية وما تنطوي عليه من رؤى.

بنيت أواصر الصداقة الصينية الباكستانية، الصينية الصربية على امتداد عقود طويلة، وخضعت لاختبارات تقلبات التاريخ فزادتها رسوخا. فباكستان كانت في طليعة الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، فيما غدت مشاريع التعاون المشترك، كميناء جوادر وطريق قراقورم السريع، معالم راسخة في "الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني".

وخلال زيارة الرئيس شي جين بينغ لباكستان عام 2015، ارتقت العلاقات الثنائية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة في كل الأحوال". واليوم، إذ يحتفل البلدان بالذكرى الخامسة والسبعين لإقامة علاقاتهما الدبلوماسية، تُشكّل زيارة رئيس الوزراء شهباز فرصة ثمينة لترسيخ هذه الصداقة وتعميق التعاون في شتى القطاعات.

وفي ظل تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، تقف الصين وباكستان جنبا إلى جنب في خدمة السلام الإقليمي والعدالة الدولية، ويقدّمان مثالا متميزا على التنسيق الدولي بين البلدين، وإثراء حقيقيا لرؤية بناء "المجتمع ذي المصير المشترك"، مع دول الجوار.

أما صربيا فهي أول دولة أوروبية تنضم إلى الصين في مسيرة بناء "مجتمع المصير المشترك للبشرية" في العصر الجديد. وقد تحولت الصداقة بين الشعبين إلى ذاكرة مشتركة راسخة في وجدان الدولتين. وعلى الرغم من البُعد الجغرافي، تظل الاتصالات رفيعة المستوى بينهما متواترة ومستمرة. ففي مايو 2024، أجرى الرئيس شي جين بينغ زيارة دولة إلى بلغراد شكّلت نقلة تاريخية في مسار العلاقات الثنائية.

ويُعد الرئيس فوتشيتش، شخصية صديقة مألوفة للشعب الصيني، كما تربط البلدين علاقات استثنائية: اتفاقية للتجارة الحرة، وإعفاء متبادل من تأشيرات الدخول، وخطوط جوية مباشرة. فضلا عن دورها المحوري في تعزيز التواصل والتعاون في منطقتَي غرب البلقان ووسط وشرق أوروبا. ومن المنتظر أن تكون هذه الزيارة الأولى للرئيس فوتشيتش إلى الصين دافعا قويا لتسريع عجلة التعاون الثنائي وتوطيد الشراكة مع منطقة وسط وشرق أوروبا.

سواء في باكستان أو صربيا، يكن شعبا البلدين مودة خالصة للصين، فيُطلق الصينيون عليهم بمحبة واعتزاز لقب "الإخوة الحديديين"، ولم ينسوا قط مواقف هؤلاء "الأصدقاء القدامى" في ساعات الشدة. ففي زلزال ونتشوان المدمّر عام 2008، سارعت باكستان إلى تسخير كامل أسطولها من طائرات النقل العسكري، وبلغ بها الحرص حد إزالة المقاعد لتوسيع طاقة الشحن، لنقل كامل احتياطيها الاستراتيجي من الخيام إلى مناطق الكارثة في أسرع وقت ممكن.

أما الرئيس فوتشيتش، فقد اتخذ باستمرار موقفا ثابتا ومبدئيا في القضايا التي تمس المصالح الجوهرية للصين، مؤكدا مرارا أن "صربيا تدعم مبدأ صين واحدة بكامل ثقلها السياسي". وتُقدّم العلاقات الصينية-الباكستانية والصينية-الصربية نماذج حية للمساواة والتعاون المتبادل في الشأن الدولي.

يسعى بعض المراقبين الغربيين، المتشبثين بعقلية الحرب الباردة، إلى تصوير علاقات الصداقة الصينية مع باكستان وصربيا باعتبارها "تحالفات موجّهة ضد أطراف ثالثة". ووفق هذا المنطق المتجاوز، لا تعرف العلاقات بين الكبار والصغار سوى خيارين: الهيمنة أو التبعية.

غير أن نموذج "الإخوة الحديديين" يحطم هذه العقلية البالية، ويُقدّم للعالم نمطا جديدا تتعامل فيه الدول، بصرف النظر عن أحجامها، على قدم المساواة، ساعية إلى نتائج ذات نفع متبادل ومكاسب مشتركة.

وقد دأبت الصين على تبني منظور سديد في الموازنة بين مبادئ الحق والمصلحة، فتعاملت مع باكستان وصربيا على قدم المساواة، وعملت جنبا إلى جنب معهما لتحقيق التنمية المشتركة. وفي هذا الصدد، قال وزير الداخلية الصربي السابق ألكسندر فولين ذات مرّة: "إن الصين تعرف كيف تُنصت وكيف تتواصل. فهي تتصرف بصفتها شريكا لا آمرا، ولا تُصدر أوامر متعالية، بل تكتفي بتقديم المقترحات."

إن "الصداقات المتينة" التي تجمع الصين بكل من باكستان وصربيا تُجسّد القيمة الدائمة لنمط جديد من العلاقات الدولية، مُثبتةً أن أمما متباينة في حضاراتها وأنظمتها وأحجامها قادرة على التعايش بسلام وتحقيق المكاسب المشتركة.

وعلى صعيد التعاون متعدد الأطراف، تتقاطع مواقف الصين وصربيا وباكستان في رؤىً متناغمة بشأن النظام الدولي، والتزام مشترك بدفع الحوكمة العالمية نحو مسار أكثر عدلا وإنصافا. وفي زمن باتت فيه الأحادية السياسية وسياسات القوة تدفع العالم نحو الانقسام والاضطراب، تقدم "الصداقات المتينة" التي نسجتها الصين مع شركائها على مدى عقود نموذجا عمليا وملهما لعالم متعدد الأقطاب يقوم على المساواة والنظام.

صور ساخنة