الصفحة الرئيسية >> العالم

تعليق: حين تصبح تجربة صاروخية صينية محورًا للضجة .. هل يبالغ الناتو في الحسابات؟

سعى الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، مؤخراً وبشكل لافت لجذب الأنظار إليه، إذ صرّح قبيل انعقاد قمة الحلف، بأن الناتو "لا يمكن أن يكون ساذجاً" إزاء الصين، وذلك في معرض تعليقه على قيام بكين يوم الاثنين بإجراء تجربة إطلاق صاروخ استراتيجي من غواصة. لقد تم إقحام هذا التدريب العسكري الروتيني الذي لم يكن موجهاً ضد أي دولة أو هدف محدد قسراً ضمن سردية الناتو حول "التهديد الصيني". وإن انخراط روته المتزايد في هذا الدور يثير تساؤلًا جوهريًا: هل تمثل الصين فعلًا "تهديدًا" لحلف الناتو، أم أن الحلف يسعى إلى بناء سردية حول "التهديد الصيني" بهدف تعزيز مبررات استمراره ودوره؟

والأكثر غرابةً أن روته ادعى أنه ناقش الأمر عبر رسالة نصية مع وزير الدفاع الياباني، مؤكداً أن "ما يحدث في منطقة المحيطين الهندي والهادئ له أهمية بالنسبة لما يحدث في المنطقة عبر الأطلسي". ومع ذلك، فإن حلف الناتو هو تحالف عسكري خاص بمنطقة شمال الأطلسي. وقد سقط الصاروخ في المحيط الهادئ، كما أُخطرت دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ بما فيها اليابان مسبقاً، ولم تنتهك العملية بأكملها سيادة أي دولة أو تهدد أمن أي أمة. فلماذا إذن يبدي الأمين العام لحلف الناتو كل هذا القلق؟ وهل كان يهدف إلى ضم أعالي البحار في المحيط الهادئ إلى "نطاق نفوذ" الحلف؟

لم يكن توقيت الضجة التي أثارها روته بشأن ما وصفه بـ"التهديد الصاروخي الصيني" مصادفة، إذ جاءت قبيل قمة حلف الناتو التي عُقدت في أنقرة بتركيا يومي الثلاثاء والأربعاء، والتي اعتُبرت على نطاق واسع فرصةً لحلفاء الناتو لإظهار مدى التزامهم تجاه الولايات المتحدة. وتواجه الدول الأوروبية تحديات معقدة على جبهات عدة، بدءًا من الوفاء بأهداف الإنفاق الدفاعي التي أُقرت في قمة لاهاي العام الماضي، وصولًا إلى معالجة الخلافات الاستراتيجية المتزايدة عبر الأطلسي. وفي محيط مكان انعقاد القمة، خرجت احتجاجات واسعة مناهضة لحلف الناتو، رفع خلالها المتظاهرون شعارات مثل "لا للناتو، لا للحرب". وفي ظل هذه الضغوط الداخلية والخارجية، يواجه الحلف تساؤلات متزايدة حول دوره في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إذ يرى منتقدوه أنه بات كيانًا موروثًا من حقبة تاريخية سابقة، ويكافح لإعادة تعريف مهمته وتبرير استمرار وجوده في القرن الحادي والعشرين. وقد وصل الأمر، بحسب هذه الانتقادات، إلى تضخيم أهمية مناورات عسكرية روتينية تجريها دول أخرى بهدف التأكيد على أهمية الحلف، وهو سلوك يتسم بالسذاجة ويثير الرثاء في آن واحد.

تتماشى عمليات الإطلاق التجريبي للصواريخ مع القانون الدولي والممارسات الدولية المتبعة، إذ تقوم دول عديدة، بدءاً من الأعضاء الرئيسيين في حلف الناتو (مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة) ووصولاً إلى دول مثل الهند وروسيا، بإجراء تجارب دورية لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات تُطلق من منصات أرضية أو صواريخ باليستية تُطلق من غواصات في البحر. وغالباً ما تُجرى العديد من هذه التجارب فوق أعالي البحار أو في المياه الدولية، وتصفها وسائل الإعلام العالمية عادةً بأنها "تدريبات روتينية". وتُظهر هذه الضجة الانتقائية بوضوح أن القضية لا تكمن في تجارب الصواريخ بحد ذاتها، بل في نزعة حلف الناتو إلى التعامل مع الصين باعتبارها " عدوًا مُفترضًا "، ففي كل مرة تعزز فيها الصين قدراتها الدفاعية الوطنية، تُصنَّف فوراً على أنها "تهديد". وتكشف هذه المعايير المزدوجة عن عقلية الحرب الباردة الراسخة بعمق لدى حلف الناتو.

وما يثير القلق بشكل خاص هو التفاعل بين روته ووزير الدفاع الياباني، إذ يكشف ذلك عن النوايا الحقيقية لحلف الناتو، فالحلف يسرّع وتيرة توسعه في منطقة آسيا والمحيط الهادئ من خلال ترتيبات تزداد طابعاً مؤسسياً، حيث وقّع برنامج شراكة مصمم خصيصاً مع اليابان، وشراكات مماثلة مع كل من أستراليا ونيوزيلندا. ومن الواضح أن ما يشغل بال الناتو ليس ما يُسمى بـ "الاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، بل البحث عن ذريعة لتوسيع نطاق وجوده في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهو هدف يتماشى تماماً مع طموحات التيار العسكري الجديد في اليابان الرامي إلى استخدام الحلف كوسيلة لتعزيز أجندته الخاصة. ومقارنةً بالجيش الصيني الذي لم يبادر بشن أي حرب منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، فإن حلف الناتو بتوسعه المتكرر وتدخلاته العسكرية في الخارج تحت شعار "الدفاع الجماعي"، إلى جانب النزعة العسكرية اليابانية المتجددة، هما اللذان يستحقان يقظة المجتمع الدولي.

يُثار التساؤل حول الجهة التي يخدمها فعلياً ما يُسمّى بـ«استعراض الناتو» في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. فالصين تؤكد التزامها بمسار التنمية السلمية، واتباعها سياسة دفاعية وطنية، وتمسّكها باستراتيجية نووية ذات طابع دفاعي بحت، مع إبقاء ترسانتها النووية عند الحد الأدنى الضروري لتلبية احتياجات أمنها القومي، إذ لا تنخرط في سباق تسلح نووي مع أي دولة. وتوضح بكين أن تحديث قدراتها النووية يهدف إلى ردع أي تدخل من تكتلات عسكرية من خارج المنطقة، مثل حلف الناتو، في شؤون آسيا والمحيط الهادئ، والحيلولة دون تصاعد التوترات أو زعزعة الاستقرار بالقرب من حدودها. وفي المقابل، يواصل حلف الناتو، بحسب هذا الطرح، لعب دور مثير للجدل من خلال تدخّلاته العسكرية وسياساته الخارجية التي يرى منتقدوه أنها ساهمت في تفاقم أزمات وصراعات في مناطق مختلفة من العالم. ويُستشهد على ذلك بإحجام بعض قادة دول آسيا والمحيط الهادئ عن المشاركة في قمة الناتو لهذا العام. وإذا كان الحلف لا يزال يعتقد أنه يمتلك الحق أو التفوق الأخلاقي لتقديم دروس للآخرين بشأن قضايا السلام والأمن، فإن ذلك يعكس، وفق هذا المنظور، قراءة غير دقيقة للتحولات الجارية في النظام الدولي وقدراً كبيراً من سوء تقدير الواقع.

لقد آن الأوان لكي يتخلى حلف الناتو عن هذه المهزلة المتمثلة في توظيف القدرات الصاروخية الصينية كورقة للمزايدات السياسية. فمحاولة تصوير الصين على أنها «تهديد» في الوقت الذي يسعى فيه الحلف إلى توسيع نفوذه العسكري حتى أعتاب الصين، ليست سوى خطوة غير محسوبة لن تجد صدىً لدى شعوب منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وإن منطقة المحيط الهادئ واسعة بما يكفي لتستوعب جميع الدول الساعية إلى السلام والتعاون، لكنها لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تتحول إلى ساحة تعبث فيها أشباح الحرب الباردة.

صور ساخنة