الصفحة الرئيسية >> الصين

تجدد الصراع الأمريكي الإيراني.. كلفة باهظة لسوء التقدير الاستراتيجي لدى القوى الكبرى

بعد أقل من شهر على توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تصاعدت التوترات بين الجانبين مجدداً. ففي الساعات الأولى من يوم 14 يوليو (بتوقيت إيران)، شن الجيش الأمريكي "ليلة ثالثة من الضربات" ضد إيران، في حين ردت الأخيرة باستهداف قواعد عسكرية أمريكية في دول المنطقة. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، وتلبدت سماء مضيق هرمز بغيوم قاتمة من جديد، كما تلقت سلاسل التوريد العالمية التي تعاني أصلاً من هشاشة وضعها ضربة قوية أخرى. إن تجدد الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران لا يصب في مصلحة أي من طرفي الصراع، كما أنه ينذر بخطر جر العالم بأسره إلى عملية طويلة الأمد من "الاستنزاف".

لقد جاء التوصل إلى مذكرة التفاهم هذه بعد جهود مضنية، وهي تنص بوضوح على أن تعلن كل من الولايات المتحدة وإيران "الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات"، وأن "تمتنعا عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما البعض". كما يتعهد الطرفان باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيه، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر. وتجسد هذه البنود روح المساواة، وتتماشى مع مقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وتتفق مع القواعد الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية. وكان المجتمع الدولي يأمل على نطاق واسع أن تسهم هذه الوثيقة في تحقيق الاستقرار في محيط مضيق هرمز وإرساء قناة لحوار مستدام. غير أن الولايات المتحدة وإيران فسرتا مذكرة التفاهم تفسيرات متباينة، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بـ "تقويض الاتفاق". بل إن الولايات المتحدة وصفت المذكرة علناً بأنها مجرد "اختبار" وبأنها "لا تحمل أهمية كبيرة"، وهو موقف أدى في نهاية المطاف إلى اندلاع جولة جديدة من المواجهة.

إن تكلفة الحسابات الاستراتيجية الخاطئة التي ترتكبها القوى الكبرى تكون دائماً باهظة للغاية. وفي هذا الصراع، لا يمكن لأي طرف تحقيق "نصر سريع" وسهل. فقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن الحل العسكري ليس هو الحل أبداً. إن الرد على العنف بالعنف لا يؤدي إلا إلى تأجيج الكراهية وتعميق المواجهة، مما يوقع جميع الأطراف في حلقة مفرغة لا تنتهي. لقد استغرقت الولايات المتحدة عشرين عاماً للانسحاب من أفغانستان، في حين لا تزال تداعيات تورطها في حرب العراق قائمة ومستمرة حتى بعد مرور ثماني سنوات. وتُشكل المواجهة العسكرية المتصاعدة مخاطر متعددة تهدد الولايات المتحدة وإيران، ومنطقة الشرق الأوسط برمتها، والعالم أجمع.

ستتمثل النتيجة المباشرة للعودة إلى حالة من العداء الشامل بين الولايات المتحدة وإيران في تعميق جراح الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية، مما يجعله شريان حياة للتجارة الدولية وأمن الطاقة. ومع تسجيل أسعار النفط العالمية أكبر ارتفاع لها في يوم واحد خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت بالتزامن تكاليف سلاسل التوريد العالمية، مما ألقى بظلاله مجدداً على التعافي الاقتصادي العالمي الهش أصلاً. وفي 8 يوليو ، أصدر صندوق النقد الدولي تحديثاً لتقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، متوقعاً أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3 في المائة في عام 2026، أي بانخفاض قدره 0.1 نقطة مئوية عن توقعاته الصادرة في شهر أبريل. وقد أشار الصندوق إلى أن تأثير الصراع في الشرق الأوسط هو السبب الرئيسي وراء خفض هذه التوقعات.

تتمثل التبعات الأكثر مباشرة ووطأةً للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في تكلفته الإنسانية الهائلة. فوفقاً لما أوردته وكالة أنباء "فارس" الإيرانية في 22 يونيو، قُتل 3519 شخصاً جراء الأعمال العدائية الأخيرة التي شملت الأطراف الثلاثة. كما أظهرت البيانات الصادرة عن وزارة الصحة العامة اللبنانية في 7 يوليو، أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان أسفرت عن مقتل 4320 شخصاً منذ الثاني من مارس. ومن شأن أي مواجهة عسكرية متجددة بين الولايات المتحدة وإيران أن تزيد من تفاقم التداعيات الممتدة لهذا الصراع، مما يجعل آفاق السلام أكثر قتامةً.

إن القضية الأكثر إثارة للقلق في الوقت الراهن ليست صعوبة التوصل إلى توافق في الآراء عبر المفاوضات، بل الانقطاع التام لقنوات التواصل بين الجانبين، فقد وصل الوضع إلى منعطف حرج يتأرجح بين الحرب والسلم. وفي هذه اللحظة، يتعين على جميع الأطراف إبداء أقصى درجات الصدق، والتمسك بالحل السياسي، وضمان عدم تبدد الزخم الحالي نحو وقف إطلاق النار والمفاوضات. كما يتعين على الولايات المتحدة، وبشكل عاجل، التخلي عن عقلية الهيمنة، والاعتراف بمخاوف إيران الأمنية المشروعة، ووقف الضربات العسكرية. ومن جانبها، ينبغي لإيران مواصلة ممارسة ضبط النفس الاستراتيجي، وتجنب أي ممارسات قد تؤدي إلى تصعيد التوتر، والحفاظ على المساحة اللازمة لاستئناف المحادثات الثنائية.

لقد أوضحت الصين موقفها مراراً وتكراراً في مجلس الأمن الدولي وعبر القنوات الدبلوماسية الثنائية، حيث طرحت تباعاً مبادرة النقاط الخمس بالاشتراك مع باكستان، ومقترح النقاط الأربع بشأن تعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. وظل المبدأ الجوهري ثابتاً: لا يمكن للوسائل العسكرية تسوية النزاعات، بل إن المساواة في السيادة والحوار والدبلوماسية هي المسارات الوحيدة المجدية لحل الصراعات. وينبغي للولايات المتحدة وإيران استئناف المفاوضات في أقرب وقت ممكن، والعمل نحو التوصل إلى اتفاق شامل يحظى بقبول الطرفين، وترحيب دول المنطقة، ودعم المجتمع الدولي. كما أن استعادة الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز في أقرب فرصة تصب في مصلحة جميع الأطراف، إذ ينبغي التعامل مع قضايا الشحن البحري بشكل سليم لمعالجة مخاوف المجتمع الدولي. وإن أي حصار أحادي الجانب، أو تدخل عسكري، أو فرض قسري لرسوم العبور، سيُعد انتهاكاً خطيراً لميثاق الأمم المتحدة والمبادئ الأساسية للقانون الدولي، ويمثل تراجعاً إلى الوراء في مسار التاريخ.

واصلت دول، من بينها قطر وباكستان، خلال الأسابيع الأخيرة جهود الوساطة، في خطوة تعكس رغبة متزايدة وتوافقًا واسعًا على ضرورة إحلال السلام، سواء على المستوى الإقليمي أو في إطار المجتمع الدولي. فلم يعد العالم قادرًا على تحمّل المزيد من إراقة الدماء، إذ يتطلع المجتمع الدولي إلى استعادة مسار الحوار والدبلوماسية، بدلًا من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة. ويظل من الضروري أن تتحلى الولايات المتحدة وإيران وجميع الأطراف الإقليمية المعنية بالحكمة اللازمة "لوقف نزيف الدماء" وكبح جماح الصراع.

صور ساخنة