
بقلم: أ.د علي الطعاني، جامعة البلقاء التطبيقية الأردنية وخريج الاكاديمة الصينة للعلوم
لم تعد العلاقات الأردنية الصينية تختصر في التجارة والاستثمار، بل تتجه اليوم نحو مساحة أوسع تقوم على التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار وتبادل الخبرات. وهذا التحول يعكس حقيقة أساسية في العلاقات الدولية، وهي أن الشراكات التي تستمر لا تعتمد على المشاريع الاقتصادية وحدها، وإنما على الإنسان والمعرفة والقدرة على بناء مصالح مشتركة تمتد عبر الأجيال.
وتأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية، في هذا السياق. فالزيارة، وهي التاسعة لجلالته إلى الصين منذ توليه سلطاته الدستورية، تعكس مستوى العلاقات التي بدأت دبلوماسياً عام 1977، ثم تطورت إلى شراكة استراتيجية عام 2015. ومع توسع التعاون في التجارة والاستثمار والسياحة والثقافة، يبرز التعليم والبحث العلمي بوصفهما مجالين قادرين على إعطاء هذه الشراكة بعداً أكثر استدامة.
يمثل التعليم العالي أحد أهم الجسور بين الأردن والصين. فالطالب الأردني الذي يدرس في الصين لا يعود إلى بلده بشهادة جامعية فقط، وإنما يعود بخبرة في نظام تعليمي مختلف، ومعرفة باللغة والثقافة والمجتمع الصيني، وعلاقات يمكن أن تتحول لاحقاً إلى تعاون علمي أو اقتصادي. وفي المقابل، يمنح وجود الطلبة الصينيين في الأردن فرصة للتعرف إلى اللغة العربية والمجتمع الأردني والمنطقة العربية.
وتشير بيانات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنية إلى استمرار برامج المنح والتبادل التعليمي مع الصين، بما في ذلك منح للطلبة الأردنيين لدراسة تخصصات تقنية في الجامعات الصينية. كما استقبلت الجامعات الأردنية أعداداً من الطلبة الصينيين ضمن مسار التبادل التعليمي. هذه الحركة بين البلدين لا ينبغي أن تُقاس بعدد الطلبة فقط، بل بما يمكن أن ينتج عنها بعد التخرج.
وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا يحدث للطالب الأردني بعد عودته من الصين؟
إذا بقيت العلاقة مع الجامعة الصينية عند حدود المنحة، فإن جزءاً كبيراً من القيمة التي يمكن أن تنتج عنها يضيع. أما إذا ارتبط الخريج بمختبر أو شركة أو مشروع بحثي أو شبكة خريجين، فإن المنحة تتحول إلى استثمار طويل الأمد.
وهذا يقود إلى مرحلة أخرى من التعاون، وهي بناء القدرات.
قدمت الصين خلال السنوات الماضية برامج تدريب للأردنيين في مجالات متعددة، وأصبح التدريب أحد مسارات التعاون بين البلدين. لكن المرحلة المقبلة يمكن أن تجعل هذه البرامج أكثر ارتباطاً باحتياجات الأردن. تبدأ العملية بتحديد احتياجات المؤسسات والجامعات، ثم تصميم برامج تدريب مع الجامعات والشركات ومراكز البحث الصينية، ثم متابعة أثر التدريب بعد عودة المشاركين.
بهذه الطريقة يصبح التدريب جزءاً من سياسة بناء القدرات وليس مجرد مشاركة في برنامج قصير.
ومن المجالات التي شهدت تطوراً واضحاً تعليم اللغة الصينية في الأردن. فقد انتقلت اللغة الصينية من نطاق الدورات والبرامج الثقافية إلى البرامج الأكاديمية في الجامعات، مع وجود معاهد كونفوشيوس وبرامج جامعية في عدد من المؤسسات التعليمية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح الآن ليس كم طالباً يتعلم اللغة الصينية، وإنما ماذا سيفعل هؤلاء الطلبة بهذه اللغة بعد التخرج؟
المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من نموذج "تعلم الصينية" إلى نموذج "الصينية مع التخصص".
نحتاج إلى طالب تجارة دولية يتقن الصينية، وطالب هندسة يستطيع التواصل مع الشركات الصينية، وطالب ذكاء اصطناعي يفهم اللغة والسوق الصينيين، وطالب سياحة قادر على التعامل مع الزائر الصيني، وطالب في علوم الفضاء يستطيع المشاركة في مشاريع علمية مع المؤسسات الصينية.
بهذا تصبح اللغة أداة للتعليم والعمل والبحث والاستثمار. وتزداد أهمية هذا المسار مع نمو العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فكلما زاد حضور الشركات والاستثمارات الصينية في الأردن والمنطقة، زادت الحاجة إلى كوادر تجمع بين المعرفة التخصصية والقدرة على التواصل باللغة الصينية وفهم البيئة الاقتصادية والثقافية في الصين.
ولا ينبغي أن يقتصر التعاون الأكاديمي على دراسة الأردن في الصين أو دراسة الصين في الأردن، بل يجب أن يصبح البحث المتبادل جزءاً من العلاقة.
فقد شهدت الصين إنشاء مراكز أكاديمية تهتم بدراسة الأردن والعالم العربي، وهو اتجاه يمكن للأردن أن يستفيد منه عبر إنشاء مراكز بحثية متخصصة في دراسة الصين. فالصين اليوم قوة اقتصادية وتكنولوجية وعلمية مؤثرة، وفهم اقتصادها ونظامها التعليمي وسياساتها الصناعية وتطورها التكنولوجي وثقافتها أصبح حاجة معرفية للأردن.
نحن بحاجة إلى باحثين أردنيين يدرسون الصين بصورة منهجية، كما تحتاج الصين إلى باحثين يدرسون الأردن والمنطقة العربية.
هذا النوع من المعرفة يمكن أن يساعد المؤسسات الأردنية على بناء قرارات تقوم على البيانات والدراسات وليس على الانطباعات.
وفي الوقت نفسه، تمتلك الجامعات الأردنية والصينية قاعدة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. لكن قيمة هذه الاتفاقيات لا تظهر في عددها، بل في المشاريع التي تخرج منها.
يمكن للمرحلة المقبلة أن تركز على برامج الدكتوراه المشتركة، والإشراف المشترك على طلبة الدراسات العليا، وتبادل أعضاء هيئة التدريس، وإنشاء المختبرات المشتركة، وتمويل المشاريع البحثية، وتدريب الطلبة في الشركات ومراكز البحث الصينية.
الهدف يجب أن يكون واضحاً: تحويل الاتفاقية من وثيقة إدارية إلى مشروع علمي.
وتقدم علوم الفضاء والفلك مثالاً على الإمكانات التي يمكن أن يحملها هذا التعاون.
كانت تجربتي في الصين جزءاً من هذا المسار، فقد كنت أول طالب أردني يحصل على درجة الدكتوراه في علوم الفضاء والفلك من الأكاديمية الصينية للعلوم. ولم تكن الدراسة هناك مجرد طريق للحصول على درجة علمية، بل كانت تجربة بحثية داخل بيئة ترتبط بمراكز البحث والمراصد والمشاريع العلمية. وبعد العودة إلى الأردن، انتقلت هذه التجربة إلى التدريس والبحث العلمي وتدريب الطلبة.
ويمكن توسيع هذا النموذج في التعاون بين الأردن والصين في علوم الفضاء. فالصين تمتلك خبرات في الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والمراصد والتقنيات الفضائية، بينما يستطيع الأردن الاستفادة من هذه الخبرات في مجالات ترتبط باحتياجاته الوطنية.
يمكن للبيانات الفضائية أن تساعد في مراقبة الموارد المائية، كما يمكن استخدامها في الزراعة ومراقبة الأراضي والتغير المناخي والبيئة والتخطيط الحضري والكوارث الطبيعية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يحول هذه البيانات إلى أدوات تساعد المؤسسات على اتخاذ القرار. هنا يصبح التعاون في علوم الفضاء مرتبطاً بالتنمية، وليس مجرد تعاون أكاديمي.
والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والاتصالات والهندسة والتكنولوجيا الحيوية وغيرها من المجالات التي يمكن أن تشكل أساساً لمشاريع بحثية مشتركة.
لكن الانتقال من التعاون إلى الابتكار يحتاج إلى تغيير في طريقة بناء الشراكات. بدلاً من أن تبدأ العلاقة باتفاقية وتنتهي عند توقيعها، يمكن أن تبدأ بتحديد مشكلة مشتركة، ثم تشكيل فريق من الباحثين، ثم توفير التمويل، ثم بناء المختبر أو المشروع، ثم تحويل النتائج إلى تطبيق أو منتج أو خدمة. عندها يصبح التعاون بين الأردن والصين جزءاً من دورة إنتاج المعرفة.
ولهذا يمكن للمرحلة المقبلة أن تركز على مجموعة من المسارات العملية، منها إنشاء برامج دكتوراه مشتركة في مجالات ذات أولوية، وإقامة مختبرات بحثية مشتركة في الذكاء الاصطناعي والمياه والطاقة وعلوم الفضاء، وربط الخريجين الأردنيين من الجامعات الصينية بالشركات والمؤسسات الصينية العاملة في الأردن، وتوسيع برامج "الصينية مع التخصص"، وإنشاء قاعدة بيانات مشتركة للباحثين والطلبة والمختبرات والمشاريع والخريجين.
كما تحتاج الشراكات الجامعية إلى مؤشرات لقياس أثرها. فالنجاح لا يقاس بعدد الاتفاقيات، بل بعدد المشاريع والأبحاث والطلبة وبراءات الاختراع والشركات والبرامج التي خرجت منها. وهنا يمكن أن تتحول الجامعات من أطراف في اتفاقيات إلى محركات للشراكة.
إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تأتي في مرحلة يمكن أن تفتح المجال أمام هذا التحول. فالعلاقات الأردنية الصينية تمتلك قاعدة سياسية واقتصادية وثقافية تسمح ببناء مرحلة جديدة تضع الإنسان والمعرفة في مركز التعاون.
الأردن لا يحتاج فقط إلى زيادة عدد الطلبة الذين يدرسون في الصين، بل يحتاج إلى زيادة عدد المشاريع التي يقودها هؤلاء الطلبة بعد عودتهم. ولا يحتاج فقط إلى زيادة عدد دارسي اللغة الصينية، بل إلى خريجين يجمعون اللغة مع تخصصات يحتاجها الاقتصاد. ولا يحتاج فقط إلى توقيع اتفاقيات جديدة، بل إلى تحويل الاتفاقيات القائمة إلى برامج ومختبرات ومشاريع ذات نتائج يمكن قياسها. وتستمر عندما تتحول المعرفة إلى تعاون، والتعاون إلى بحث، والبحث إلى ابتكار، والابتكار إلى قيمة تخدم المجتمع. وهذه هي الفرصة التي يمكن أن تفتحها المرحلة المقبلة في العلاقات الأردنية الصينية: الانتقال من تبادل الطلاب إلى بناء الكفاءات، ومن تبادل المعرفة إلى إنتاجها، ومن التعاون بين المؤسسات إلى شراكة تجمع الباحثين والجامعات والشركات والمختبرات.
عندها يصبح الاستثمار في التعليم والبحث العلمي استثماراً في مستقبل العلاقات نفسها، ويصبح التعاون الأردني الصيني مشروعاً بين جيلين من الطلبة والباحثين والمهندسين والعلماء ورواد الأعمال.


لا ترمش عينك، خبز النان سيطير في الحال!
ثلاثة أكواب تجعلك تكتشف مدينة قوييانغ
فن الصنوبر... رسالة فنانة من آرشان لحماية الغابات
مشهد مذهل لعبور الظباء التبتية في شيتسانغ خلال الهجرة الموسمية
بحيرة يونتشنغ تتلألأ بالألوان: ازدهار الطحالب يرسم مشهداً طبيعياً فريداً
عيد دوانوو: حكاية مهرجان قوارب التنين عبر فن الرسم بالرمال
الدمية الصينية "لابوبو" تخطف الأضواء في افتتاح كأس العالم
أضخم عجلة في بكين ستُفتتح نهاية شهر يونيو