الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

تعليق: مسار عملي لتجاوز المأزق الأمني في الشرق الأوسط

أشار الرئيس شي جين بينغ، خلال محادثاته الأخيرة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى أن الصين تدعم دول المنطقة في تطوير علاقات تقوم على حسن الجوار والصداقة، والتمسك برؤية أمنية مشتركة وشاملة وتعاونية ومستدامة، والعمل على بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط. وانطلاقاً من الحرص على ترسيخ السلام والاستقرار وتحقيق أمن دائم في المنطقة، طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرةً تقوم على أربعة محاور رئيسية: تحفيز المحركات الذاتية للأمن الإقليمي المشترك، ودفع عجلة الحوكمة الشاملة للأمن الإقليمي المشترك، وترسيخ ركائز التنمية الداعمة للأمن الإقليمي المشترك، وتعزيز التنسيق الدولي بشأن الأمن الإقليمي المشترك. ويجسد هذا الطرح حلاً صينياً جديداً طرحه شي جين بينغ للإسهام في تحقيق الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط، واستكمالاً للمقترح المكوّن من أربع نقاط بشأن الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة وتعزيزهما، وكذلك المبادئ الأربعة لحل القضية الفلسطينية. كما يؤكد التزام الصين، بصفتها دولة كبرى مسؤولة، بالمساهمة بحكمتها في تحقيق الاستقرار المستدام للمنطقة.

تفعيل المحركات الذاتية وبناء أمن إقليمي مشترك ومستدام

يقتضي بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط تفعيل المحركات الذاتية وتعزيز الجهود الإقليمية الرامية إلى تحقيق أمن مشترك ومستدام. وإن شعوب الشرق الأوسط هي الأجدر بتقرير مستقبل منطقتها، وينبغي أن تتولى دول المنطقة زمام إدارة شؤون أمنها الإقليمي، بما يتوافق مع مصالحها وتطلعات شعوبها. لقد أظهرت دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، من موجة المصالحات المتواصلة في أنحاء الشرق الأوسط إلى المشاورات المؤسسية بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ومصر، إرادة متزايدة وقوية في الاستقلال والاعتماد على الذات وتعزيز القوة الجماعية. وتدعم الصين دول الشرق الأوسط في تعزيز الحوار حول السلام والأمن بروح الاستقلال والاعتماد على الذات، وفي بناء هيكلية أمنية بشكل مستقل تتناسب مع واقع المنطقة وتراعي مصالح جميع الأطراف، بما يضمن لها الإمساك بزمام مستقبلها بقوة.

اعتماد نهج شامل للأمن الإقليمي المشترك

يتطلب بناء هيكلية أمنية جديدة للشرق الأوسط المضي قدماً في نهج شامل للأمن الإقليمي المشترك. انطلاقاً من حقيقة، أن المنطقة تواجه العديد من القضايا الساخنة المتشابكة والمتداخلة بعمق، بحيث قد يفضي حل إحدى القضايا إلى تداعيات تمتد آثارها إلى المشهد الإقليمي برمّته، الأمر الذي يستدعي تبنّي مقاربة شاملة ومتوازنة لمعالجتها. وتظل القضية الفلسطينية في صلب قضايا الشرق الأوسط، وهي تمس مبادئ الإنصاف والعدالة الدولية، لذا لا ينبغي بأي حال تجاهلها أو تهميشها. ويزيد تشابك الصراعات، التي تتراوح بين النزاعات على الأراضي والانقسامات الطائفية والتنافس على موارد الطاقة، من تعقيد التحديات الأمنية التقليدية وغير التقليدية، الأمر الذي يجعل المقاربات المجتزأة عاجزة عن معالجة الأسباب الجذرية لهذه التحديات بصورة فعّالة. ولا يمكن حل معضلة الأمن تدريجياً إلا من خلال التمسك برؤية للأمن المشترك والشامل والقائم على التعاون والاستدامة، وعبر الموازنة بين المخاوف الأمنية المشروعة لجميع الأطراف. وتتمثل الأولوية الملحّة في المضي قدماً في تنفيذ "حل الدولتين" والدفع نحو تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، فهذا هو التطلع المشترك للمجتمع الدولي.

ترسيخ دعائم الأمن والتنمية المشتركين

يتطلب بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط ترسيخ دعائم الأمن والتنمية المشتركين. فالأمن شرط أساسي لتحقيق التنمية، والتنمية بدورها تشكل ضمانة راسخة للأمن، لذا فإن الموازنة بين التنمية والأمن تمثل النهج الجوهري لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة. ويتمتع الشرق الأوسط بموارد طبيعية وفيرة وموقع جغرافي استراتيجي، ما يمنحه إمكانات تنموية هائلة، ويؤهله للاضطلاع بدور إيجابي في دفع عجلة الرخاء والاستقرار على الصعيد العالمي. كما أن ضمان أمن الممرات الملاحية الدولية وصون حرية الملاحة فيها يصبان في مصلحة دول المنطقة والمجتمع الدولي على حد سواء. وفي هذا السياق، تؤكد الصين استعدادها للعمل مع دول المنطقة على حماية الممرات الملاحية الدولية، وتعزيز التعاون في مجال التنمية، ومواءمة المصالح الوطنية، وبناء الثقة المتبادلة بصورة تدريجية، ومعالجة بؤر الصراع وأسبابها الجذرية. فمن خلال تعزيز السلام عبر التنمية والسعي لتحقيق الأمن عبر التعاون فقط، يمكننا ضخ زخم ذاتي ومستمر يعزز استقرار المنطقة.

تعزيز التنسيق الدولي لترسيخ أمن إقليمي مشترك

يتطلب بناء هيكلية أمنية جديدة للشرق الأوسط تعزيز التنسيق الدولي لترسيخ أمن إقليمي مشترك. ويُعد ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي المرجعية الأساسية للتعامل مع قضايا الشرق الأوسط، لذا يتعين على المجتمع الدولي، ولا سيما القوى الكبرى من خارج المنطقة، التخلي عن ازدواجية المعايير واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها احتراماً حقيقياً. ومن الضروري دعم الأمم المتحدة لتؤدي دورها المنوط بها في الشؤون الإقليمية، والعمل على التنفيذ الفعال لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بؤر التوتر في الشرق الأوسط، ولا سيما القضية الفلسطينية، ومساندة جهود الوساطة الأممية. لقد أثبت التاريخ مراراً أن العقوبات أحادية الجانب وممارسات "الولاية القضائية عابرة الحدود" التي تفتقر إلى تفويض من الأمم المتحدة تفشل في تحقيق أهدافها، وأن نهج الهيمنة والغطرسة لا يفضي إلى أي نتيجة. وفي ظل الصعوبات والتحديات الراهنة، ينبغي للمجتمع الدولي بناء توافق في الآراء وتنسيق الجهود لبث طاقة إيجابية تعزز السلام والاستقرار في المنطقة، بدلاً من خلق انقسامات ومواجهات جديدة.

يمثل إرساء السلام والاستقرار في الشرق الأوسط شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار على الصعيد العالمي. ويرى المجتمع الدولي أن الصين لا تسعى وراء مصالح جيوسياسية أنانية ولا تنخرط في مواجهات قائمة على التكتلات، بل تضع المصالح الجوهرية لشعوب المنطقة في صلب اهتماماتها، وتحقق توازناً بين الأمن والتنمية، وتتعامل مع الشواغل الأمنية المشروعة لجميع الأطراف. ومن خلال ذلك، تقدم الصين مساراً عملياً واتجاهاً واضحاً لحل المعضلات الأمنية التي تواجه الشرق الأوسط. وستظل الصين ثابتة في انحيازها للسلام والحوار، ومتمسكة بالجانب الصحيح من التاريخ. وستعمل الصين جنباً إلى جنب مع دول الشرق الأوسط والمجتمع الدولي لبناء هيكل أمني جديد للمنطقة، ومواصلة الجهود الدؤوبة لتحقيق سلام واستقرار دائمين في الشرق الأوسط.

صور ساخنة