تشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين وأوروبا مشاورات ومفاوضات مكثفة، في وقت برزت فيه من الجانب الأوروبي رؤيتان مختلفتان إزاء مستقبل هذه العلاقات. ففي 16 سبتمبر، صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في خطابها حول "حالة الاتحاد"، بأن العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين قد "وصل إلى نقطة حرجة"، وأعلنت أن التكتل سيستخدم "كافة الأدوات المتاحة لإعادة التوازن" إلى العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الصين. وفي المقابل، دعا وزير الاقتصاد والتجارة والأعمال الإسباني، كارلوس كويربو، في 18 سبتمبر، إلى إجراء حوار صريح بين الاتحاد الأوروبي والصين، مشيراً إلى أن هناك "نافذة فرص" تستحق الاغتنام. ومن الواضح أن الأصوات العقلانية داخل أوروبا لا تؤيد الموقف المتشدد الذي تبنته بروكسل فيما يتعلق بالمفاوضات التجارية مع الصين.
لا يُعد موقف كيربو حالةً استثنائية. ففيما يتعلق بنية الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق التدابير الحمائية المفروضة على مركبات الطاقة الجديدة صينية الصنع لتشمل السيارات الهجينة، صرّح خبير صناعة السيارات الألماني فرديناند دودنهوفر، مؤسس مركز أبحاث السيارات (CAR) في 15 سبتمبر، بأن انحياز الحكومة الألمانية إلى موقف بروكسل، في مسعى لحماية صناعة السيارات المحلية، لن يمثل سوى "نسخة مصغرة" من الحرب التجارية التي شنتها الولايات المتحدة.وفي الوقت نفسه، أشار ستيفان رايندل، رئيس معهد اقتصاديات السيارات (IfA) في جنوب غرب ألمانيا، إلى أنه ينبغي للمفوضية الأوروبية ألا تتجاهل عمداً المزايا الهيكلية التي تتمتع بها صناعة السيارات الصينية، مؤكداً أن الحواجز الجمركية ستلحق بأوروبا ضرراً يفوق ما قد تحققه من نفع.
لا يوجد رابحون في الحروب التجارية. إن افتعال نزاع تجاري استناداً إلى منطق واهٍ يُعد بحد ذاته تصرفاً يفتقر تماماً إلى العقلانية، وهي حقيقة ينبغي أن تشكل جرس إنذار جدي لصناع السياسات في الاتحاد الأوروبي (ومقرهم بروكسل) ممن يصرون على تبني موقف متشدد تجاه الصين. تتميز السلاسل الصناعية في كل من الصين وأوروبا بتشابك وثيق، إذ يحقق الاتحاد الأوروبي باستمرار فائضاً في تجارة الخدمات مع الصين ويحتفظ باستثمارات ضخمة هناك، فضلاً عن تصدير المنتجات إلى مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك إعادة تصديرها إلى أوروبا نفسها. وتوفر الواردات القادمة من الصين سلعاً عالية الجودة بأسعار تنافسية، مما يساعد أوروبا على كبح التضخم ويعود بالنفع على المستهلكين، كما أن المزايا التي تتمتع بها الصين في تقنيات الطاقة الجديدة وسلاسل التوريد يمكن أن تدعم مسار التحول في قطاع الطاقة الأوروبي. ولا ينبغي التضحية بهذه المصالح المتبادلة من أجل نزاع تجاري بادر الاتحاد الأوروبي بإشعاله.
تواجه أوروبا حالياً مأزقاً معقداً وحالة من القلق الفكري، فهي ترزح تحت ضغوط داخلية وخارجية، وتصارع تضافراً لمجموعة من الأزمات: فعلى الصعيد الخارجي، هي منخرطة بعمق في الصراع الأيديولوجي بين أوروبا والولايات المتحدة، وفي التنافس على سلطة صياغة القواعد الدولية، فضلاً عن صراعات جيوسياسية متنوعة. أما داخلياً، فهي تواجه قضايا مثل التشرذم الاجتماعي والاستقطاب السياسي، إلى جانب خطر التخلف عن الركب وسط التحولات العالمية التي تقودها الثورات التكنولوجية الجديدة. وتُظهر النتائج الانتخابية القوية التي حققها حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) في ولايتي ساكسونياـ أنهالت ومكلنبورغـ فوربومرن، أن أزمة التصورات هذه تولّد حالة واسعة النطاق من عدم اليقين، وهي حالة تمتد حتماً لتلقي بظلالها على مجالي الاقتصاد والتجارة. ومن ثم، فإن المسار العملي أمام الصين وأوروبا لتسوية النزاعات التجارية يكمن في التخلي عن عقلية المواجهة، والعودة إلى الحوار العقلاني، والالتزام الصادق بقواعد التجارة الدولية القائمة، والتركيز على حل المشكلات، ومراعاة مصالح الجانبين.
وعلى الصعيد الجزئي، يمكن للصين وأوروبا إجراء مشاورات مُركَّزة بشأن نقاط الخلاف الرئيسية، مثل مركبات الطاقة الجديدة، والمواد الخام الحيوية، واختلالات التوازن التجاري، والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، وذلك لصياغة حلول محددة وقابلة للتنفيذ، والعمل على تسوية النزاعات التجارية الراهنة بسرعة. أما على الصعيد الكلي، فينبغي لأوروبا أن تتجاوز نطاق النزاعات الفردية، وأن تنظر في الخلافات التجارية المحددة ضمن الإطار الأوسع الذي يشمل قضايا النفاذ إلى الأسواق، وقواعد الاستثمار، والنظام الاقتصادي والتجاري الثنائي. واستناداً إلى تسوية القضايا الثنائية، ينبغي للطرفين السعي نحو إرساء قواعد للتعاون تشكّل نماذج يُحتذى بها على المستويين الإقليمي والعالمي.
يُعدّ توسيعُ الكعكة الاقتصادية بشكل مشترك خيارًا أكثر جاذبية بكثير من تصعيد الاحتكاكات من جانب واحد. لقد توصلت الصين وأوروبا بالفعل إلى توافق مهم بشأن قضايا هيكلية، سواء على الصعيد العالمي أو الثنائي، مما يترك مجالاً واسعاً لتعزيز التعاون بينهما وترسيخه. وحتى في قطاع مركبات الطاقة الجديدة، وهو مجال يحظى بحساسية خاصة بالنسبة لأوروبا، أدركت العديد من شركات صناعة السيارات الأوروبية الرائدة بوضوح أن الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الصينية، وتعميق التعاون مع الصين، أمور جوهرية لعملية التحول الصناعي لديها، إذ تنظر هذه الشركات إلى المنافسة المباشرة مع نظيراتها الصينية باعتبارها "ميدان اختبار" لدخول السوق العالمية. وتدرك الأصوات العقلانية في أوروبا وجود "نافذة فرص" في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين وأوروبا، لذا ينبغي عليها التركيز على المصالح المشتركة، وربط المشاورات التجارية بالتعاون الهيكلي طويل الأمد، وفتح "باب الفرص" لتحقيق الانفتاح المتبادل والمنفعة المشتركة، بما يضمن تحقيق تنمية مستقرة وعالية الجودة ومستدامة للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين.


الروبوتات الذكية الصينية تعزز حضورها في التطبيقات الصناعية
330 كيلومترًا في 66 ساعة .. عامل توصيل طعام يتوّج بطلًا لسباق «رحلة العمالقة» رغم ساعة نوم واحدة
طاقة أينما وُجد الضوء.. ابتكار صيني يجعل الخلايا الشمسية أكثر مرونة
"جسر الجيش الأحمر"، 90 عاما من الذاكرة الثورية في قويتشو
تشونغتشينغ تنظم مسابقة للمهارات الروبوتية المحاكية للكائنات الحيّة
منطقة خزان الخوانق الثلاثة: الطائرات المسيّرة تفتح "ممرًا جويًا" للحصاد الخريفي
روبوتات تتحدى شدّ الحبل.. والسقوط يفاجئ الجميع
لا ترمش عينك، خبز النان سيطير في الحال!