الصفحة الرئيسية >> الأعمال والتجارة

فهم الاقتصاد الصيني (33): التهويل الغربي للفائض التجاري الصيني يكشف مغالطات في تشخيص الأسباب الحقيقة

سلّطت وسائل الإعلام الأجنبية الضوء على الفائض التجاري الصيني الذي بلغ 100 مليارد دولار للشهر الرابع على التوالي، بحسب بيانات التجارة الخارجية الصينية لشهر أغسطس، الصادرة عن إدارة الجمارك الصينية، في استمرار للجدل الدائر في الأوساط الخارجية حول حول الفائض التجاري الصيني.

وفي هذا الصدد، رأى مايكل فرومان، الممثل التجاري الأمريكي السابق والرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية، أن ارتفاع الفائض التجاري الصيني وما يمكن أن يترتب عليه من عجز العالم عن استيعاب هذه القدرة الإنتاجية قد يعجّل باندلاع أزمة إقتصادية جديدة.

وصحيح أن الصين تسجل فائضا تجاريا ضخماً وأن ذلك يثير مخاوف لدى بعض الأطراف، حيث يضع تكامل سلاسل التوريد الصناعية الصينية الصناعات الأمريكية والأوروبية أمام منافسة قوية، ويطرح مخاوف عند بعض الدول النامية من أن يؤدي تدفق السلع الصينية إلى تضييق فرص التصنيع المحلي. ومن منظور الاقتصاد الكلي، طالما ناقشت الأوساط الأكاديمية الاختلالات العالمية في الحساب الجاري، إذ قد تؤدي الفوائض الكبيرة، مع ضعف الطلب العالمي، إلى زيادة المنافسة وتأجيج النزعات الحمائية.

ورغم وجاهة هذه المخاوف، إلا أنه لايمكن تحميل الصين وحدها المسؤولية، فالفائض التجاري الصيني هو نتاج لتفاعل تقسيم العمل العالمي مع هياكل الادخار والاستهلاك في مختلف الدول، وليس هدفا صينيا متعمدا. وقد سعت الصين لسنوات إلى تحقيق توازن تجاري عبر توسيع الطلب المحلي وزيادة الواردات، بينما تمثل الولايات المتحدة وأوروبا، بمعدلات استهلاك مرتفعة وادخار منخفض وعجز مالي كبير، طرفا رئيسيا في الاختلال العالمي. كما تواجه جميع الدول، بما فيها الصين، تحدي الانتقال من محركات النمو القديمة إلى الجديدة.

وتفترض القدرة على تصدير السلع وجود مشترين في السوق الدولية، وعندما تنتج دولة أكثر مما تستهلك وتلبي احتياجات دول أخرى، فإنها تجسد مبدأ تقسيم العمل الدولي. ويعكس نمو صادرات الصين من الدوائر المتكاملة والآلات ومركبات الطاقة الجديدة طلبا حقيقيا أفرزه التحول العالمي في الطاقة والارتقاء الصناعي.

غير أن المشكلة في جدل الفائض الصيني، تكمن في التهويل السياسي للفائض وربطه بمصطلحات مثل "الضغوط الصينية" و"الصدمة الصينية". وبين 2012 و2024، صدّرت الصين آلات نسيج بأكثر من 30 مليار دولار إلى الدول النامية، ما ساعد دولا في جنوب شرق وجنوب آسيا على تطوير صناعات المنسوجات والتصدير.

كما أسهم تصدير البنية التحتية والمعدات والتكنولوجيا والاستثمارات في دعم البنية التحتية والصناعات المحلية في الدول النامية. ولو كانت الصادرات الصينية تضيق فعلا الحيز التصنيعي للدول الأخرى، لما شهدنا هذه التطورات.

تاريخيا، لم يكن الفائض التجاري حكرا على دولة بعينها، ولم يثبت أن الفائض التجاري بحد ذاته تسبب في أزمة اقتصادية عالمية. فقد سجلت بريطانيا والولايات المتحدة واليابان وألمانيا فوائض تجارية كبيرة خلال مراحل تاريخية مختلفة، وتجاوز فائض الحساب الجاري لألمانيا واليابان أحيانا 6% من الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما.

وارتبط ظهور هذه الدول ذات الفائض بتطور تقسيم العمل الدولي في مراحل محددة، فيما أظهرت التجارب أن معالجة الفوائض عبر الحواجز الجمركية والقيود التجارية غالبا ما تزيد التوترات الاقتصادية بدلا من حلها.

وتنبع المخاوف من عجز العالم عن استيعاب القدرة الإنتاجية من ضعف مستمر في الطلب العالمي الكلي، تعود جذوره إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008. وفي هذا السياق، أشار أستاذ الاقتصاد الصيني لين ييفو إلى أن نمو التجارة العالمية كان قبل الأزمة يتجاوز ضعف النمو الاقتصادي العالمي، قبل أن يتباطأ كلاهما بعدها وينخفض نمو التجارة إلى ما دون النمو الاقتصادي، ويدخل الاقتصاد العالمي والولايات المتحدة وأوروبا ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مرحلة ركود ممتد.

من جهة أخرى، واجهت القوى الصناعية الغربية ركودا في النمو وتآكلا في قاعدتها الصناعية واختلالات في التوظيف بسبب نقل التصنيع إلى الخارج. وبذلك، لا تكمن مشكلة ضعف الطلب العالمي في استحواذ الصين على حصة مفرطة من "الكعكة"، بل في الخلل الذي رافق "تحضير الكعكة" منذ اندلاع الأزمة المالية.

وقد أسهمت أزمة الرهن العقاري الأمريكية عام 2008، وما رافقها من توريق معقد لقروض الرهن العقاري عالي المخاطر وانهيار أسعار المساكن، في تجميد الائتمان وإطلاق أزمة مالية عالمية. وربط بعض الأمريكيين هذا المنطق لاحقا بالتصنيع الصيني، متجاهلين الفروق الجوهرية بين البلدين في الهياكل الاقتصادية ومحركات النمو ونماذج التنمية.

وفي نهاية المطاف، يبقى من الجدير إلى التأكيد على أن حدوث "أزمة اقتصادية عالمية مقبلة"، يتوقف على قدرة الاقتصادات الكبرى على إدارة التحول الصناعي والمخاطر المالية ونقص الطلب، وعلى قدرة العالم على مقاومة الحمائية التجارية والتمسك بالتعاون والانفتاح.

صور ساخنة