عمدت بعض وسائل الإعلام الغربية مؤخرا، استنادا إلى بيانات أحادية الجانب صادرة عن مراكز بحثية بعينها، إلى وصف الصين بأنها "مستنزِف للموارد"، مدعية دون أي سند واقعي، أن الصين تحولت في أفريقيا من "مُقرض" إلى "جابي ديون". وهي محاولة جديدة لتشويه صورة التعاون الصيني-الأفريقي وتضليل الرأي العام الدولي. والحقيقة أن هذه السردية ليست سوى إعادة إنتاج لـ"نظرية فخ الديون" في صياغة جديدة، لكنها لا تزال تعاني من اختلالات منطقية جوهرية.
أولا، تكتفي هذه الإدعاءات باحتساب مدفوعات سداد الديون، بينما تتجاهل التدفقات الاستثمارية الفعلية الواردة. فالتقارير الصادرة عن تلك المراكز البحثية الغربية تركز حصرا على بيانات سداد القروض السيادية، متعمدة استبعاد تدفقات مالية أخرى متنوعة، مثل الاستثمارات المباشرة، وعقود الهندسة والإنشاءات، وتمويل التجارة.
ومن خلال الاعتماد على هذا النطاق المحدود من البيانات للوصول إلى استنتاجات واسعة، يتم تشويه الحجم الحقيقي للتعاون الصيني-الأفريقي بصورة واضحة. ففي الواقع، تجاوز الرصيد التراكمي للاستثمارات الصينية المباشرة في أفريقيا، حتى نهاية عام 2023، حاجز 40 مليار دولار، شملت قطاعات حيوية تحتاجها القارة بشدة، مثل التصنيع والزراعة والاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء.
كما ارتفع حجم الاستثمار الصيني المباشر غير المالي في أفريقيا خلال عام 2025 بنسبة %41 على أساس سنوي، فيما حافظ متوسط الاستثمار السنوي خلال الفترة بين 2020 و2024 على مستوى يفوق 3 مليارات دولار. ومن ثم، فإن التركيز حصرا على تدفقات سداد الديون قصيرة الأجل، مع تجاهل التدفقات الاستثمارية وعوائدها الفعلية، يُعد طرحا انتقائيا ومضللا بشكل متعمد.
ثانيا، تتجاهل هذه السردية القوانين الموضوعية التي تحكم دورة القروض، وتصور عملية السداد الطبيعية لأصل الدين وفوائده وكأنها "استنزاف للثروات". فالقروض، بطبيعتها، تخضع لدورة زمنية محددة. وقد شكلت الفترة ما بين 2013 و2018 ذروة الإقراض الصيني لأفريقيا، بينما تمثل المرحلة الحالية فترة طبيعية ومعتادة لسداد أصل الدين والفوائد، وهي ممارسة معيارية في أي تعاون مالي عابر للحدود قائم على قواعد السوق.
غير أن المنطق الذي تتبناه بعض وسائل الإعلام والمراكز البحثية الغربية يوحي، بصورة عبثية، بأن أي بنك يمنح قرضا ثم يسترد أقساطه لاحقا يمكن اعتباره " استنزافا للموارد".
وفي الواقع، يشهد التعاون الصيني الأفريقي تطورا نوعيا اليوم. ففي السنوات الأخيرة، عملت الصين على تحسين نماذج تعاونها بشكل استباقي، من خلال تعزيز إدارة مخاطر التمويل، وإعطاء الأولوية للتنمية المستدامة، إلى جانب توسيع الاستثمارات الصناعية، والتمكين التكنولوجي، ودعم مشروعات تحسين مستوى المعيشة.
ويعكس هذا التحول انتقال التعاون من الاعتماد الأحادي على التمويل إلى شراكة متنوعة تقوم على المنفعة المتبادلة. وبالتالي، فإن الأمر لا يتعلق بانكماش في الاستثمارات، بل بدخول التعاون مرحلة أكثر نضجا واستقرارا.
أما الدول الأفريقية نفسها، فهي الأقدر على معرفة من يمثل شريكا حقيقيا للتنمية، ومن يستنزف الثروات فعليا. وخلال سنوات عملي في أفريقيا، كثيرا ما تحدث الأصدقاء الأفارقة عن الفرص التي وفرها التعاون الصيني-الأفريقي، بدءا من تحسين البنية التحتية ووصولا إلى توفير فرص العمل.
وهذه المكاسب الملموسة تتجاوز بكثير التكهنات والاتهامات التي تروج لها بعض وسائل الإعلام الغربية. وعلى مدى ستة عشر عاماً متتالية، حافظت الصين على مكانتها كأكبر شريك تجاري لأفريقيا، كما طبقت، اعتبارا من الأول من مايو هذا العام، إعفاء جمركيا كاملا لصالح 53 دولة أفريقية ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية، ما وفر زخما إضافيا للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين.
ومن "المبادرات الثماني الكبرى" و"البرامج التسعة"، إلى "المقترحات الستة" الخاصة بالتحديث الصيني-الأفريقي و"خطط التعاون العشر"، تواصل الصين تقديم سوق أوسع، وتكنولوجيا أكثر عملية، واستثمارات أكثر استقرارا، ضمن نموذج تعاون قائم على التكافؤ ومن دون شروط سياسية مسبقة.
وفي المقابل، اكتفت بعض الدول الغربية لسنوات طويلة بإطلاق الشعارات المتعلقة بدعم أفريقيا، دون أن تترجمها إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع. وفي نهاية المطاف، فإن الأرقام والوقائع هي التي تحسم السؤال حول من يعمل فعلا من أجل التنمية طويلة الأمد، ومن يكتفي بالضجيج الإعلامي، والكلمة الأخيرة تبقى للشعوب الأفريقية نفسها.
وسواء أعيد تقديم "نظرية فخ الديون" تحت مسمى "الاستنزاف الصافي للموارد"، أو جرى ابتكار تسميات جديدة مستقبلاً، فلن يغير ذلك من حقيقة أساسية مفادها أن مسار التحديث القائم على المنفعة المتبادلة والفوز المشترك بين الصين وأفريقيا يواصل تقدمه بثبات. كما أن الدول الأفريقية، التي لمست ثمار هذا التعاون بشكل مباشر، لن تنجرف بسهولة وراء مثل هذه السرديات. أما أولئك الذين ما زالوا أسرى لعقلية "المحصلة الصفرية"، وغير القادرين على تقبل نماذج التنمية القائمة على الربح المتبادل، فسيكتشفون في النهاية أن خطاباتهم لا تتجاوز كونها محاولات عقيمة تفتقر إلى التأثير الحقيقي.


الرمان التونسي والصين… حين تبني شجرة جسرا بين حضارتين
خلايا الهيدروجين تمنح المسيّرات الصينية قدرة تحليق أطول
فنانة قتال في الخامسة من عمرها تسيطر على السيف ببراعة
ينتشوان: الطائرات المسيّرة تنظف عوازل شبكة الكهرباء
مرشدة سياحية: "أسعى إلى أن يعرف السياح الوجه الحقيقي لشينجيانغ"
في مقاطعة يوننان: فاكهة تفاح الشمع، "ماء معدني ينمو على الأغصان"
شينجيانغ تطلق قطارات سياحية جديدة تحمل علامة "إكسبرس الشرق الجديد "
مسؤول يحوّل الذرة الحمراء إلى لوحات فنية للترويج لقريته