الصفحة الرئيسية >> الأعمال والتجارة

تعليق: صناعة السيارات الصينية.. من القفزة الصناعية إلى الريادة العالمية

تعليق: صناعة السيارات الصينية.. من القفزة الصناعية إلى الريادة العالمية
روبوتات صناعية تُجمّع السيارات على خط الإنتاج في مصنع أودي-فاو للسيارات العاملة بالطاقة الجديدة في مدينة تشانغتشون بمقاطعة جيلين. تشاينا ديلي

لماذا نجحت صناعة مركبات الطاقة الجديدة في الصين؟ يُعزى ذلك إلى ما تتمتع به من ميزة مؤسسية فريدة.

يمنح اقتصاد السوق الاشتراكي الصيني ميزةً هيكلية. فبفضل العزم الاستراتيجي على "المضي قدماً في تنفيذ المخطط حتى النهاية"، عملت الصين على تنسيق المشهد العام، محققةً تكاملاً وثيقاً بين سوقٍ فعالة وحكومةٍ استباقية. وقد دفعت قدماً بتنفيذ حزمة من السياسات التي شملت التخطيط الاستراتيجي الشامل، والدعم المالي والضريبي، وتطوير البنية التحتية، مما أثمر نتائج ملموسة ووفر دعماً استراتيجياً قوياً وضمانات مؤسسية لتحقيق قفزة نوعية في قطاع مركبات الطاقة الجديدة.

تتمتع الصين بميزة هائلة لا تضاهى فيما يتعلق بحجم الطلب. إذ تمتلك أكبر قاعدة لملكية المركبات في العالم وتشهد طلباً ضخماً في السوق، حيث تتجاوز مبيعات السيارات حاجز الـ 20 مليون وحدة لسنوات متتالية. وبدءاً من المدن الكبرى ووصولاً إلى المقاطعات والبلدات، ومن السهول إلى المناطق الجبلية، وعبر طيف واسع من الطرازات يمتد من الفئات الأساسية إلى المركبات متوسطة وعالية المستوى، يتميز السوق المحلي بضخامة الحجم وتنوع الفئات وتعدد سيناريوهات الاستخدام، مما يمثل ميزة هائلة لرعاية صناعة مركبات الطاقة الجديدة وتعزيزها.

يعود الفضل في ذلك إلى ميزة فريدة في جانب الإمداد. إذ تُعد المنظومة الصناعية المتكاملة تماماً نقطة قوة متميزة تتمتع بها الصين في هذا المجال. فبعد أكثر من عقد من التطوير، نجحت صناعة مركبات الطاقة الجديدة في الصين في الربط بين قطاعات رئيسية تشمل المواد الأساسية، والمكونات الجوهرية، والمركبات الكاملة، ومعدات التصنيع، والبنية التحتية للشحن والتزويد بالوقود. وتحتل هذه السلسلة الصناعية الصينية صدارة المشهد العالمي بفضل شموليتها وطابعها المنظومي وتكاملها التام.

وبفضل الميزة المستمرة في توفر الكفاءات، تحتل الصين المرتبة الأولى عالمياً من حيث إجمالي عدد العاملين في مجال البحث والتطوير. وتستند الإنجازات التي حققتها صناعة مركبات الطاقة الجديدة في الصين اليوم إلى الجهود المتواصلة التي بذلتها أعداد كبيرة من الكوادر عالية المهارة ، ممن يتمتعون بخبرات متعددة التخصصات وشجاعة في مواجهة التحديات الصعبة، إلى جانب رواد الأعمال الذين كرسوا جهودهم طويلاً لتطوير مسارات جديدة في هذا المجال.

يشكّل الاعتماد على الذات والارتقاء بالقدرات العلمية والتكنولوجية على مستوى عالٍ المحركَ الرئيسي الذي يدفع صناعة مركبات الطاقة الجديدة في الصين من مرحلة التوسع إلى مرحلة القوة، ويمضي بها نحو قمة سلسلة القيمة العالمية. وتشير الإحصاءات إلى أن متوسط معدل النمو السنوي لبراءات الاختراع المنشورة في قطاع مركبات الطاقة الجديدة بالصين بلغ 17.1% خلال السنوات العشر الماضية.

استناداً إلى الأسس الصناعية والموارد المتاحة في شرق ووسط وغرب الصين، يجري العمل بشكل منظم على إرساء قواعد إنتاج لمركبات الطاقة الجديدة ومكوناتها الرئيسية. وتتشكل تدريجياً خمسة تجمعات صناعية كبرى لمركبات الطاقة الجديدة، وهي: منطقة دلتا نهر اليانغتسي، ومنطقة خليج قوانغدونغ-هونغ كونغ-ماكاو الكبرى، ومنطقة بكين-تيانجين-خبي، ومنطقة هوبي-خنان-هونان، والمنطقة الاقتصادية تشنغدو- تشونغتشينغ.

الريادة في صناعة السيارات

تخوض شركات صناعة السيارات الصينية، في ظل مسار التنمية عالية الجودة الجديد، سباقًا جديدًا لإرساء "معايير جديدة" لقطاع السيارات على المستوى العالمي.

أقرت الصين أشد معايير السلامة صرامةً في العالم لبطاريات الطاقة، إذ تشترط أنه في حال حدوث انفلات حراري، يجب ألا تندلع النيران أو يحدث انفجار لمدة ساعتين. كما يشترط المعيار الوطني الجديد للمركبات الذكية المتصلة، الذي صدر حديثًا، ألا يقل مستوى السلامة في المركبات ذاتية القيادة من المستويين الثالث والرابع عن مستوى السلامة الذي يوفره سائق بشري مؤهل ويقظ.

وقدمت شركة شانغان للسيارات مفهومًا شاملاً للسلامة الشاملة، مُعيدًا تعريف سلامة السيارات بتوسيع نطاقها من حماية هيكل السيارة في حالة الاصطدام إلى الصحة، وعلم النفس، وحماية خصوصية البيانات. وبحلول أوائل أغسطس من هذا العام، سجل نظام القيادة الذكي تسيانكون من هواوي أكثر من 13 مليار كيلومتر من القيادة المدعومة، مما يجعل السلامة النشطة والسلامة الشاملة من السمات المميزة لنهج الصين في هذا المجال.

تتوسع سيناريوهات التنقل بالسيارات باستمرار، وتتزايد معها القيمة التي توفرها السيارات في الحياة اليومية. ففي مدينة شنتشن، أكملت السيارة الطائرة تيان نيان-1، التي طورتها شركة فاو هونغتشي، أعمال التجميع النهائي وخرجت من خط الإنتاج، تمهيدًا لأول رحلة تجريبية لها. وفي قوانغتشو، نجحت شركة إكسبينغ إيروهت في استكمال الإنتاج التجريبي على دفعات وإجراء رحلات اختبارية متعددة لمركباتها الطائرة المعيارية "حاملة البر والجو".

في عام 2019، كانت شركة لي أوتو سبّاقةً إلى تزويد سياراتها بثلاجات داخلية، وشاشات ترفيه للراكب الأمامي، ومقاعد فائقة الراحة. أما اليوم، فتعمل علامة يانغ وانغ التابعة لشركة بي واي دي، وسيارة السيدان الفاخرة مايسترو إس 800، التي طورتها شركتا جاك وهواوي، على إعادة تعريف مفهوم الفخامة وصياغة جماليات السيارات من جديد، بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والتصاميم ذات الطابع الصيني المميز.

إبتكرت شركة نيو أول منظومة في العالم للشحن وتبديل البطاريات وترقيتها، إلى جانب نموذج البطارية كخدمة القائم على تأجير البطاريات. وعلى مدى أكثر من ثماني سنوات، أنشأت الشركة أكثر من 4000 محطة لتبديل البطاريات، محوّلةً عملية تزويد المركبات بالطاقة إلى ميزة تنافسية متميزة.

دفع الصناعة نحو قفزة نوعية

تدخل صناعة مركبات الطاقة الجديدة في الصين، مع تقدم البلاد في تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة، مرحلةً جديدة من التنمية عالية الجودة.

بحلول نهاية عام 2025، حصل طرازان من شركتي تشانغان وبايك على الدفعة الأولى من تصاريح الوصول إلى السوق لمركبات القيادة الذاتية المشروطة من المستوى الثالث (Level 3) المصنعة محلياً. وتشهد صناعة القيادة الذاتية في الصين انتقالاً سريعاً من مرحلة "التحقق من التكنولوجيا" إلى مرحلة جديدة تتمثل في "الإنتاج الضخم والتطبيق العملي". وفي هذا السياق، بدأت سيارة أركفوكس ألفا إس (إصدار L3) التابعة لمجموعة بايك، التي تُعد واحدة من أوائل السيارات التي حصلت على تصريح القيادة الذاتية المشروطة من المستوى الثالث في الصين، عمليات التشغيل التجريبي على طرق مخصصة في بكين، بما في ذلك طريق مطار داشينغ السريع.

أصدرت وزارة التجارة الصينية وعدد من الجهات الحكومية الصينية الأخرى، في يونيو من هذا العام، 17 إجراءً محددًا في ستة مجالات رئيسية، بهدف تنمية وتوسيع الاستهلاك في سوق خدمات ما بعد البيع للسيارات، بما يوفر توجيهًا واضحًا للسياسات ومساحة واسعة في السوق لشركات صناعة السيارات لتعزيز حضورها في قطاع الخدمات واستحداث مصادر جديدة لنمو الأرباح.

افتُتح أول معرض شيري لايف رسميًا في 21 يونيو 2026، في ساحة رويشون لخدمات حياة السيارات بمنطقة شانتو التجريبية للمغتربين الصينيين. ويجمع هذا الفضاء المتكامل لنمط حياة السيارات بين التسوق والتجربة والتفاعل الاجتماعي، ليقدم نموذجًا عالميًا جديدًا في عرض السيارات وبيعها وتقديم خدماتها.

وتتسرع وتيرة التوسع على امتداد سلسلة القيمة. إذ شهدت منطقة ييتشوانغ في بكين تحقيق إنجازات نوعية في بناء خمسة أنظمة رئيسية تشمل المركبات الذكية، والطرق الذكية، والسحابة الفورية، والشبكات الموثوقة، والخرائط الدقيقة، بالتزامن مع جهودٍ جارية لدعم تطوير صناعة السيارات وإنشاء المدن الذكية من خلال التحديثات المتتابعة لتقنيات القيادة الذاتية.

كما اكتمل في منطقة شيونغآن الجديدة بمقاطعة خبي شمال الصين إنشاء أول شبكة طرق رقمية إقليمية واسعة النطاق في البلاد، بطول إجمالي يبلغ 153 كيلومترًا، فيما قطعت الحافلات الذكية المتصلة بالشبكة نحو 200 ألف كيلومتر خلال عمليات الاختبار الآمن.

إن صعود صناعة مركبات الطاقة الجديدة في الصين لا يمثل مجرد تحوّل ناجح في المسار، بل هو تجسيدٌ مُركَّز للمزايا المؤسسية، وحيوية السوق، ومرونة القطاع الصناعي، ومكاسب الكفاءات البشرية، وذلك في سياق مسيرة بناء دولة قوية. لقد كان هذا المسار نحو القفزة الصناعية صائباً، وسُلك بخطوات ثابتة، وسيواصل دفعنا نحو آفاق أبعد.

وفي ظل انتشار سيارات الطاقة الجديدة واستفادة مزيد من الدول النامية من التنقل الذكي والمتصل، بات التوسع لايعكس نجاحا صناعيا فحسب، بل يقدم أيضا نموذجا للتنمية الخضراء منخفضة الكربون وفلسفة "الحضارة البيئية".

تقرير اخباري: التكنولوجيا الصينية تقدم مسارا مختلفا لتطور مركبات الطاقة الجديدة

كيف تحقق العلامات التجارية الصينية للسيارات صعودًا جماعيًا في الأسواق العالمية؟

السوق الصينية، الاختبار الأقوى لـ"لياقة" شركات السيّارات العالمية

سيارات الطاقة الجديدة الصينية ... مزايا جديدة في التوسع نحو الأسواق العالمة

صور ساخنة