ركّزت بعض وسائل الإعلام الأجنبية، في تقاريرها الأخيرة حول بيانات التجارة الخارجية الصينية لشهر يوليو، على تضخيم ما اسمته بـ "طفرة" الصادرات الصينية، مشيرة إلى أن الفائض التجاري الشهري قد تجاوز 100 مليار دولار لثلاثة أشهر متتالية، وزعمت أن ذلك بصدد خلق "ضغوطا" و "اضطرابات" في مناطق أخرى من العالم.
ورغم أن هذه الحجة قد تبدو ذات أهمية، إلا أنها في الواقع تمثل استنتاج خاطئا يستند إلى بيانات دقيقة.
وصحيح أن الفائض التجاري الشهري للصين قد تجاوز حاجز 100 مليار دولار في مناسبات متعددة، إلا أن ذلك يرجع في المقام الأول إلى تباين حركة الأسعار. فمن ناحية، ارتفعت أسعار السلع الصينية المصدرة، ولا سيما ذات القيمة المضافة العالية. فعلى سبيل المثال، ارتفعت قيمة صادرات مكونات التخزين بنسبة 113.2% على أساس سنوي خلال النصف الأول من هذا العام، كما زادت قيمة صادرات الخلايا الشمسية بنسبة 19.6%. إلا أن حجم صادرات الخلايا الشمسية (حسب الوزن) قد تراجع بنسبة 1.9%.
وبالتالي، فإن ارتفاع القيمة الإجمالية للفائض التجاري لا يعني بالضرورة زيادة حجم الصادرات، ناهيك عن اعتباره دليلاً على "سحق" المنافسين أو ممارسة "الإغراق"، إذ تحظى هذه السلع عالية التقنية بطلب دولي قوي يفوق العرض في كثير من الأحيان، ما يجعل الحديث عن حدوث "صدمة تصديرية" بلا أساس.
ومن ناحية أخرى، واصلت أسعار السلع الأساسية المستوردة انخفاضها، ما أدى إلى تراجع تكاليف الاستيراد في الصين. فعلى سبيل المثال، تراجعت أسعار النفط العالمية مؤخرا من ذروة بلغت 126 دولارا للبرميل إلى ما دون 80 دولارا، كما انخفضت تكلفة خام الحديد المستورد بما يتراوح بين 30 و70 يوانا للطن. كذلك شهدت سلع مثل غاز البترول المسال والمنتجات الكيميائية انخفاضا في الأسعار بالأسواق الدولية.
وهكذا، يمكن القول إن ارتفاع أسعار الصادرات ذات القيمة المضافة العالية، كان مدفوعا بقوة الطلب الدولي والتقدم التكنولوجي، بالتزامن مع انخفاض أسعار السلع المستوردة. وهو ما أدّى إلى تضخيم قيمة الفائض التجاري المسجل للصين.
وعلى أرض الواقع، تقدم تجارب السكان المحليين الدليل الأكثر إقناعا على ما إذا كان تعزيز العلاقات التجارية مع الصين يمثل تهديدا أم فرصة. وتُعد كندا مثالا بارزا على هذا الصعيد، إذ شهدت البلاد زيادة "غير متوقعة" بلغت 75 ألف وظيفة في يوليو، فيما تراجع معدل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ عامين، وسط انتعاش ملحوظ في حركة التجارة مع الصين.
وخلال الفترة من يناير إلى يوليو من العام الحالي، قفزت صادرات مقاطعة بريتش كولومبيا إلى الصين بنسبة 29%، متجاوزة 5.2 مليار دولار كندي، وأسهم ذلك في استحداث 32,500 وظيفة جديدة بدوام كامل في المقاطعة خلال يوليو، ليتصدر نمو التوظيف في قطاع التصنيع نظيره على مستوى البلاد.
في المقابل، تكبدت أونتاريو، المرتبطة سلاسل توريد السيارات فيها بالولايات المتحدة، خسائر كبيرة في الوظائف خلال الشهر نفسه، بما يكشف بوضوح قدرة التعاون التجاري مع الصين على دعم استقرار سوق العمل والاقتصاد.
ولا يقتصر هذا الأثر على كندا، فقد أسهمت السلع الصينية عالية الجودة والميسورة التكلفة في خفض تكاليف المعيشة عالميا، فيما ساعدت منتجات الطاقة الجديدة على تسريع التحول الأخضر وخفض تكلفته، وأسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في تسهيل تبني التقنيات الذكية.
وفي مقال نُشر في 10 أغسطس، أشار داني رودريك، الأستاذ بجامعة هارفارد، إلى أن العالم لم يعد يعاني من نقص في الطلب الكلي، موضحا أن العجز التجاري ينقل القوة الشرائية من الدول ذات الفائض إلى الدول ذات العجز. وبينما تستفيد الصين من مزاياها التكنولوجية والتجارية، فإنها توفر في الوقت نفسه منفعة عامة عالمية، ما يجعل من الأنسب وصف فائضها التجاري بأنه "فائدة للجيران".
الجدير بالتأكيد أن الصين لم تسعَ بشكل متعمد إلى تحقيق فائض تجاري، بل عملت باستمرار على تعزيز نمو متوازن لتجارتها الخارجية وبناء نظام تجاري دولي قائم على الانفتاح والتوازن والمنفعة المتبادلة. ففي الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، نمت صادراتها من السلع بنسبة 14% على أساس سنوي، مقابل 22% للواردات، بفارق 8 نقاط مئوية، ما يعكس جهودها نحو تحقيق قدر أكبر من التوازن التجاري.
وعلاوة على كونها أكبر مُصدّر في العالم، تمثل الصين ثاني أكبر مستورد، إذ تستورد كميات ضخمة من المواد الخام والمكونات والسلع الوسيطة، التي تُعاد صياغتها وابتكارها وإضافة القيمة إليها ضمن عمليات التصنيع، قبل توجيهها إلى السوق المحلية أو إعادة تصديرها. ومن خلال دمج عناصر إنتاج عالية الجودة من مختلف الدول في سلاسل توريدها، لا تدعم الصين نمو اقتصادها فحسب، بل تسهم أيضا في استقرار سلاسل التوريد العالمية وإتاحة الفرصة لمختلف الدول للاستفادة من ثمار تنميتها.
ومن وجهة نظر علمية، لا توجد نظرية اقتصادية تعتبر الفائض التجاري شكلا من أشكال "استغلال" الآخرين، أو العجز التجاري بالضرورة "وضعا غير مناسب". ويعود توسع فائض تجارة السلع الصينية أساسا إلى التحولات في هيكلها الصناعي، إذ تتقدم الصناعات الصينية بثبات نحو مستويات أعلى في سلسلة القيمة، من "الثلاثي القديم" إلى "الثلاثي الجديد"، وصولا إلى مجالات مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي والمستحضرات الصيدلانية المبتكرة، ما يرفع صادرات المنتجات عالية القيمة المضافة.
وبالنسبة إلى بقية العالم، يعني ذلك مزيدا من الفرص للاستفادة من التقدم التكنولوجي. وإذا كان بعض الغربيين يشعرون بقلق حقيقي إزاء الفوائض التجارية، فيمكنهم تشجيع بلدانهم على زيادة صادرات المنتجات عالية القيمة، مثل آلات الطباعة الحجرية الضوئية "الليثوغرافيا"، إلى الصين، بدلا من فرض قيود على التصدير والشكوى في الوقت نفسه من أرقام التجارة.


روبوتات تتحدى شدّ الحبل.. والسقوط يفاجئ الجميع
لا ترمش عينك، خبز النان سيطير في الحال!
ثلاثة أكواب تجعلك تكتشف مدينة قوييانغ
فن الصنوبر... رسالة فنانة من آرشان لحماية الغابات
مشهد مذهل لعبور الظباء التبتية في شيتسانغ خلال الهجرة الموسمية
بحيرة يونتشنغ تتلألأ بالألوان: ازدهار الطحالب يرسم مشهداً طبيعياً فريداً
عيد دوانوو: حكاية مهرجان قوارب التنين عبر فن الرسم بالرمال
الدمية الصينية "لابوبو" تخطف الأضواء في افتتاح كأس العالم