الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

من محمد مكين (ما جيان) إلى طلاب اليوم: قسم اللغة العربية بجامعة بكين في مسيرة العلاقات الصينية المصرية

بقلم فو تشي مينغ علاء ممدوح عاكف

نحتفي هذا العام بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. وعندما رددت هذه العبارة بصوت عالٍ أثناء كتابة هذا المقال، تداعى إلى ذهني شريط طويل من الذكريات، يعود أوله إلى عام 1983 عندما بدأت دراسة اللغة العربية في جامعة بكين. كنت أسمع من أساتذتي آنذاك قصصًا عن مصر وعن أجيال من أساتذة العربية الصينيين ارتبطت حياتهم العلمية والعملية بها. واليوم، ونحن نستعيد سبعين عامًا من العلاقات بين البلدين، يبدو تاريخ قسمنا زاوية خاصة يمكن من خلالها قراءة جانب من هذه المسيرة؛ فقد تأسس تخصص اللغة العربية بجامعة بكين عام 1946، قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية المصرية بعشر سنوات، وكانت مصر حاضرة في تكوين بعض رواده منذ البداية.

الدكتور محمد مكين قضى العطلة الصيفية في داخل غرفته خلال فترة دراسته في مصر

الدكتور محمد مكين قضى العطلة الصيفية في داخل غرفته خلال فترة دراسته في مصر

وتبدأ هذه القصة مع الدكتور محمد مكين، مؤسس تخصص اللغة العربية بجامعة بكين وفي الجامعات الصينية بأسرها وأحد أبرز رواد الدراسات العربية والإسلامية في الصين الحديثة. كان محمد مكين ضمن أول بعثة من الطلاب الصينيين الذين توجهوا إلى مصر في ثلاثينيات القرن الماضي لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية. درس في الأزهر ثم واصل دراسته في دار العلوم بالقاهرة، وقضى في مصر سنوات تركت أثرًا واضحًا في مسيرته العلمية. وترجم «محاورات كونفوشيوس» من الصينية إلى العربية خلال إقامته هناك، وصدرت الترجمة في القاهرة عام 1935، فكانت من المحاولات المبكرة لنقل هذا النص الكلاسيكي الصيني مباشرة إلى القارئ العربي.

وواصل محمد مكين عمله في التعليم والبحث والترجمة بعد عودته إلى الصين، والتحق بجامعة بكين عام 1946 وأسهم في تأسيس تخصص اللغة العربية فيها، ليصبح أقدم تخصص جامعي للعربية في مؤسسات التعليم العالي الصينية. كما كتب عن الثقافة الإسلامية، وترجم «تاريخ العرب» للمؤرخ فيليب حتّي إلى الصينية، وعمل سنوات طويلة على ترجمة معاني القرآن الكريم. وهكذا كانت مصر حاضرة في تاريخ تخصص العربية بجامعة بكين قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعقود؛ فقد عاد محمد مكين من القاهرة بما اكتسبه فيها من معرفة باللغة والثقافة العربية، وأسهم بهذه الخبرة في تأسيس تخصص سيخرج منه لاحقًا أجيال من العاملين في التعليم والترجمة والتواصل مع مصر والعالم العربي.

وعندما اقتربت الصين ومصر من إقامة علاقاتهما الرسمية، كان أساتذة تخصصنا حاضرين أيضًا. فقد التقى رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي بالزعيم جمال عبد الناصر على هامش مؤتمر باندونغ في إندونيسيا في أبريل عام 1955، في واحد من اللقاءات المهمة التي مهدت للتقارب بين البلدين. وكان المترجم في ذلك اللقاء الدكتور ليو لين روي، المعروف عربيًا باسم رضوان، وهو من الأساتذة المؤسسين لتخصص اللغة العربية بجامعة بكين، وكان قد أمضى سنوات طويلة في مصر ودرس في الأزهر بين عامي 1938 و1946. وأقامت الصين ومصر علاقاتهما الدبلوماسية بعد نحو عام في 30 مايو 1956، لتصبح مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

ليو لينروي (في الصف الخلفي، الثالث من اليسار) في محطة القطار مع رفقة زملائه وأثناء دراسته في جامعة الأزهر بمصر (1938-1946)

ليو لينروي (في الصف الخلفي، الثالث من اليسار) في محطة القطار مع رفقة زملائه وأثناء دراسته في جامعة الأزهر بمصر (1938-1946)

واصل ليو لين روي بعد ذلك مسيرته في التعليم والترجمة، وشارك في أعمال عديدة للتعريف بالصين وثقافتها في العالم العربي، كما نقل إلى العربية عددًا من الأعمال الأدبية الصينية المهمة، من بينها رواية «منتصف الليل» لماو دون وأعمال للروائي با جين. وفي ذلك الجيل المبكر كان تعليم العربية والترجمة والعمل الخارجي متداخلًا بدرجة كبيرة؛ فعدد المتخصصين في اللغة العربية كان محدودًا، وكان أساتذة الجامعة يشاركون أحيانًا في الترجمة والاتصال الخارجي والتبادل الثقافي، ثم يعودون إلى قاعات الدرس لتكوين جيل جديد من دارسي العربية.

ومن أبناء ذلك الجيل الجديد الدكتور صاعد، تشونغ جي كون، الذي ارتبطت بدايته مع اللغة العربية بمصر أيضًا، ولكن بصورة مختلفة. التحق بتخصص اللغة العربية في جامعة بكين عام 1956، وهو العام الذي أمم فيه جمال عبد الناصر قناة السويس وتعرضت مصر بعد ذلك للعدوان الثلاثي. وقد روى الدكتور صاعد لاحقًا أن من أولى العبارات العربية التي تعلمها آنذاك: «نؤيد مصر.. وليسقط الاستعمار». وكان يهتف بهذه الكلمات مع زملائه في المظاهرات التي خرجت في بكين تأييدًا لمصر، وعندما مرت المظاهرة أمام السفارة المصرية رأى السفير المصري آنذاك حسن رجب يلوح لهم بيده.

شونغ جي كون (الثاني من اليمين) خلال فترة دراسته في جامعة القاهرة (1978-1980)، في زيارة للأديب المصري نجيب محفوظ

شونغ جي كون (الثاني من اليمين) خلال فترة دراسته في جامعة القاهرة (1978-1980)، في زيارة للأديب المصري نجيب محفوظ

ولم تبق تلك العبارة مجرد ذكرى من سنوات الدراسة؛ فقد أمضى تشونغ جي كون بعد ذلك عقودًا في دراسة الأدب العربي ونقله إلى الصينية. وعمل في جامعة بكين أستاذًا بعد تخرجه، ثم توجه بين عامي 1978 و1980 إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة لمواصلة دراسته، وهناك ازداد اقترابه من الأدب المصري وكتابه، والتقى خلال تلك الفترة الأديب المصري الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ. وأسهم في نقل عدد من الأعمال المصرية المهمة إلى الصينية، من بينها «في بيتنا رجل» لإحسان عبد القدوس و«ميرامار» لنجيب محفوظ، إلى جانب مختارات من القصة المصرية القصيرة وأعمال أخرى من الأدب العربي. وحصل تقديرًا لمسيرته العلمية والترجمية على عدد من الجوائز العربية الرفيعة، من بينها الجائزة الشرفية لجائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة، وجائزة الشيخ زايد للكتاب لشخصية العام الثقافية عام 2011.

هذه القصص وغيرها هي التي كنا نسمعها من أساتذتنا عندما بدأنا دراسة العربية في جامعة بكين. كنا نعرف مصر من الكتب وأحاديث الأساتذة والأخبار والأدب، ثم جاء السفر إليها ليحوّل تلك المعرفة إلى تجربة يومية. ولهذا شددت الرحال أنا أيضًا إلى مصر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ودرست في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتعلمت العامية المصرية، وعشت تفاصيل الحياة اليومية في مصر، واكتسبت معرفة لا تستطيع الكتب وحدها أن تمنحها لطالب اللغة.

صورة للسيد الأستاذ الدكتور فو تشيمينغ في حرم جامعة القاهرة أثناء زيارة طلاب قسم اللغة العربية بجامعة بكين لجامعة القاهرة

صورة للأستاذ الدكتور فو تشيمينغ، صاحب المقالة، في حرم جامعة القاهرة أثناء زيارة طلاب قسم اللغة العربية بجامعة بكين لجامعة القاهرة

وأتاحت لي إقامتي في القاهرة ومشاركتي أكثر من مرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الاحتكاك بمصريين من بيئات مختلفة، فكنت أجيب عن أسئلتهم حول الصين بقدر ما أتعلم منهم عن مجتمعهم وحياتهم اليومية وعاداتهم. وأصبحت مصر بالنسبة إلي مع مرور الوقت مكانًا للدراسة والمعرفة وذكريات شخصية كثيرة لا تزال حاضرة في ذهني حتى اليوم.

وحملت معي هذه الخبرة إلى طلابي عندما عدت إلى جامعة بكين. درّست العامية المصرية سنوات طويلة، وحرصت على أن يتعرف الطلاب إلى العربية كما تستخدم في الحياة اليومية إلى جانب ما يتعلمونه من العربية الفصحى في قاعات الدرس. وسافرت معهم إلى مصر في برامج ومعسكرات تعليمية ليتعاملوا مع المصريين في الشارع والجامعة والمقهى والسوق، ويختبروا بأنفسهم اللغة والمجتمع اللذين ظلوا يدرسون عنهما في بكين. وبعد ذلك ذهب عدد من طلاب القسم إلى جامعة القاهرة للدراسة، فيما عاد آخرون إليها لجمع المادة العلمية لرسائل الماجستير والدكتوراه.

الصورة للدكتورة شياو كون في الندوة المشتركة بين جامعة كامبريدج وجامعة بكين.

الصورة للدكتورة شياو كون في الندوة المشتركة بين جامعة كامبريدج وجامعة بكين.

وأصبحت مصر أيضًا مجالًا للبحث الأكاديمي المتخصص داخل القسم مع اتساع هذه الصلات. ومن الأمثلة على ذلك الدكتورة شياو كون، التي درست في جامعة القاهرة في بداية القرن الحالي، ثم اختارت التاريخ المصري مجالًا لبحثها الأكاديمي، مع اهتمام خاص بنظام المماليك وتطوره في مصر. وواصلت العمل على هذا الموضوع سنوات طويلة، إلى أن نشرت عام 2023 كتابها «دراسة نظام المماليك في مصر»، الذي تناول هذا النظام عبر مراحله التاريخية المختلفة. وبذلك امتد ارتباط القسم بمصر من تعلم اللغة والاحتكاك بالمجتمع إلى دراسة تاريخها اعتمادًا على المصادر العربية والبحث الأكاديمي المتخصص.

وأخذت الصلة بمصر طابعًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا مع دخول القرن الحادي والعشرين، وامتدت من الدراسة والترجمة والبحث إلى التعاون التعليمي بين الجامعات. فقد عمل عدد من أساتذة القسم في المؤسسات الصينية المعنية بالتعاون مع مصر، ومن بينهم الدكتور لين فنغ مين، المعروف عربيًا باسم عامر، الذي كان قد درس في جامعة القاهرة في تسعينيات القرن الماضي، ثم عمل مسؤولًا تعليميًا في السفارة الصينية لدى مصر بين عامي 2004 و2009. وخلال تلك الفترة شهد تعليم اللغة الصينية في مصر توسعًا واضحًا؛ فأنشئ قسم اللغة الصينية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم تأسس معهد كونفوشيوس بالجامعة بالتعاون مع جامعة بكين، وشارك أساتذة من جامعتنا في إدارته والتدريس فيه ودعم التعاون بين الجامعتين.

وهكذا أصبح بعض من تعلموا العربية لفهم مصر والعالم العربي يشاركون أيضًا في مساعدة الطلاب المصريين على تعلم الصينية وفهم الصين. واستمرت هذه العلاقات من خلال التبادل الطلابي وزيارات الأساتذة والأنشطة العلمية المشتركة، وتوسعت لتشمل جامعات ومؤسسات أكاديمية مصرية مختلفة.

الدكتور علاء ممدوح أثناء مشاركته في الندوة الأكاديمية لمنتدى تحديث الجنوب العالمي

الدكتور علاء ممدوح أثناء مشاركته في الندوة الأكاديمية لمنتدى تحديث الجنوب العالمي

واكتسب هذا التواصل بعدًا جديدًا في السنوات الأخيرة بانضمام الدكتور علاء ممدوح عاكف إلى هيئة تدريس القسم، ليصبح أول أكاديمي مصري ينضم إلى أعضاء هيئة التدريس فيه. والدكتور علاء من خريجي الدفعة الأولى لقسم اللغة الصينية وآدابها بكلية الآداب في جامعة القاهرة، ثم واصل دراسته ومسيرته الأكاديمية في الصين، لتجسد تجربته مسارًا جديدًا من مسارات التواصل الأكاديمي بين البلدين. كما يفتح تخصصه في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في تعليم اللغة العربية والإنسانيات الرقمية ومعالجة اللغات الطبيعية أمام القسم آفاقًا جديدة لتطوير تعليم العربية والبحث فيها، والاستفادة من التقنيات الحديثة في بناء الموارد اللغوية والتعليمية، بما يواكب التحولات التي يشهدها تعليم اللغات والدراسات الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي.

وحاولنا أن نمنح طلابنا فرصًا أوسع لمواصلة هذا التقليد في السنوات الأخيرة. فأسست مع زملائي برنامج التبادلات العابرة للثقافات بين الصين والدول العربية، المعروف اختصارًا باسم CAMEL-LINK، ليخرج الطلاب من قاعات الدراسة إلى المجتمعات التي يدرسون لغتها وثقافتها. وكانت مصر بطبيعة الحال من أهم محطات البرنامج.

وانتقل الطلاب بين القاهرة وبورسعيد والسويس في رحلاتنا الأخيرة إلى مصر، وزاروا جامعات مصرية والتقوا أساتذة وطلابًا وباحثين. كنت أراقب أسئلتهم وهم يستمعون إلى ما نشرحه لهم عن المجتمع المصري، وأرى كيف تتحول المعلومات التي تعلموها في بكين إلى أشخاص وأماكن وتجارب حقيقية أمام أعينهم. واختار بعضهم موضوعات بحثية ترتبط بمصر بعد العودة إلى الصين، لتستمر هذه الصلة في جيل جديد من الطلاب.

وتعود بي الذاكرة في مثل هذه اللحظات إلى ما كنت أسمعه وأنا طالب في جامعة بكين عام 1983: محمد مكين الذي جاء إلى القاهرة طالبًا في ثلاثينيات القرن الماضي ثم عاد ليسهم في تأسيس تخصص العربية بجامعة بكين، وليو لين روي الذي ترجم لقاء تشو إن لاي وجمال عبد الناصر في باندونغ، وتشونغ جي كون الذي بدأ تعلم العربية في عام إقامة العلاقات الدبلوماسية ثم أمضى حياته يدرس الأدب العربي وينقله إلى الصينية. وجئت أنا أيضًا إلى القاهرة طالبًا بعد سنوات، وها أنا اليوم أعود إليها مع طلابي.

تغيرت الأجيال وتغيرت صور التواصل، لكن الصلة بمصر ظلت حاضرة في تاريخ قسم اللغة العربية بجامعة بكين، ويواصل طلاب اليوم إضافة صفحات جديدة إلى قصة بدأت قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية نفسها.

صور ساخنة