الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

شي جين بينغ في القاهرة.. 70 عاماً من العلاقات وآفاق جديدة للتعاون

بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية

يبدأ الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة دولة إلى مصر تستمر حتى الثالث من سبتمبر، هي الأولى له إلى القاهرة منذ عشر سنوات، وتتزامن مع الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتأتي الزيارة في ظل تحولات اقتصادية واضطرابات إقليمية تمس التجارة والطاقة وأمن الممرات البحرية، ما يمنحها أهمية تتجاوز البعد الثنائي. ويتصدر الاقتصاد أجندتها، مع تطلع مصر إلى جذب مزيد من الاستثمارات الصينية وتوسيع التعاون الصناعي والتكنولوجي والطاقة والبنية الأساسية، بينما ترى الصين في مصر شريكاً استراتيجياً بفضل موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي، وقدرتها على أن تكون منصة للوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية عبر قناة السويس.

تعود جذور العلاقات المصرية ـ الصينية إلى عام 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، في ظل تقارب سياسي قائم على دعم حركات التحرر ومواجهة الاستعمار. وتعززت العلاقات بدعم مصر استعادة الصين مقعدها في الأمم المتحدة عام 1971، قبل أن تنتقل تدريجياً من التضامن السياسي إلى التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، بإقامة الشراكة الاستراتيجية عام 1999 ورفعها إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014. وشكلت زيارة شي جين بينغ إلى مصر عام 2016 محطة مهمة، مع توقيع اتفاقيات في التنمية والطاقة والبنية الأساسية وتعزيز التعاون الثقافي. ومن ثم، تأتي عودته إلى القاهرة بعد عقد مستندة إلى سبعة عقود من العلاقات ورصيد متراكم من المشروعات والتفاهمات.

اقتصادياً، أصبحت الصين من أبرز الشركاء التجاريين لمصر، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية 20.79 مليار دولار في عام 2025، بعد تجاوز عتب 10 مليار دولار لأول مرة في عام 2013. ويتركز التحدي في تنويع وزيادة الصادرات المصرية، بالتوازي مع الانتقال من التجارة إلى الاستثمار والإنتاج المشترك، بما يعزز القيمة المضافة المحلية وفرص العمل. وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنطقة «تيدا» بالعين السخنة نموذجاً لهذا التوجه، إذ تضم أكثر من 200 مشروع صناعي وخدمي ولوجستي في قطاعات متنوعة، مستفيدة من الموقع المصري والقدرات الصناعية الصينية وقناة السويس للوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية. ويمكن لتوسع هذا النموذج أن يحول مصر من سوق للمنتجات الصينية إلى منصة للإنتاج والتصدير. كما تتجه آفاق التعاون إلى قطاعات استراتيجية جديدة، تشمل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية الرقمية. وتكمن أهمية هذه الاستثمارات في نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر وتعزيز الإنتاج المحلي، وليس في حجم التمويل فقط. وتوفر اتفاقات مبادلة العملات واستخدام العملات المحلية دعماً إضافياً للتجارة والاستثمار، بينما يظل نمو الإنتاج والاستثمار والصادرات المصرية العامل

تمثل الثقافة والتعليم والسياحة بعداً أساسياً في العلاقات المصرية ـ الصينية، لما لها من دور في تعزيز التواصل بين الشعبين واستدامة العلاقة عبر الأجيال. وقد توسع التعاون في الآثار والثقافة والتعليم والتبادل الجامعي والبحثي والشبابي، فيما يعكس معرض الحضارة المصرية القديمة في متحف شانغهاي، الذي أقيم من يوليو 2024 إلى أغسطس 2025 واستقطب نحو 2.77 مليون زائر، حجم الاهتمام الصيني بالحضارة المصرية. وفي المقابل، تنامى حضور اللغة والثقافة الصينية في مصر عبر الجامعات والمراكز الثقافية وبرامج التبادل، ويبرز قسم اللغة الصينية بجامعة عين شمس باعتباره من أقدم مؤسسات تعليم اللغة الصينية في العالم العربي، وأسهم في إعداد أجيال من المتخصصين. ويساعد هذا التعاون على بناء قاعدة بشرية تعزز فهم المجتمعين والتواصل بينهما، بما يجعل العلاقات أكثر ارتباطاً بالمجتمع وليس بالمؤسسات الحكومية فقط. وتعد السياحة من أبرز مجالات الاستفادة من هذا الرصيد الثقافي، إذ تجاوز عدد السياح الصينيين إلى مصر 370 ألف سائح في عام 2025، مما يجعل الصين ثاني أكبر مصدر للسياح الدوليين الى مصر. ويوجد حاليًا أكثر من 30 رحلة جوية مباشرة بين الصين ومصر أسبوعيًا. ورغم ذلك، لا تزال الأعداد أقل من إمكانات السوق الصينية، ما يتيح فرصاً للنمو عبر زيادة الرحلات المباشرة، وتحسين الخدمات باللغة الصينية، وتعزيز الترويج السياحي. وبذلك، تجمع السياحة بين العائد الاقتصادي وتعزيز التواصل الشعبي والثقافي، وتمنح العلاقات المصرية ـ الصينية بعداً مجتمعياً أكثر اتساعاً.

وفي ضوء ذلك، لا تمثل زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة مجرد مناسبة لإحياء سبعة عقود من العلاقات، بل فرصة للانتقال بالشراكة المصرية ـ الصينية إلى مرحلة أكثر تكاملاً. ومن المتوقع أن تتجه العلاقات مستقبلاً نحو توسيع التعاون في التصنيع والطاقة والتكنولوجيا والبنية الرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون الثقافي والسياحي والأكاديمي، مع تحول أكبر من التجارة إلى الاستثمار والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتوطينها. ويستند هذا المسار إلى تكامل واضح بين إمكانات البلدين. فمصر توفر الموقع والبنية الأساسية والسوق والامتداد العربي والأفريقي، بينما توفر الصين رأس المال والخبرة الصناعية والتكنولوجيا وشبكات التجارة العالمية. وإذا نجح الطرفان في توظيف هذه المزايا ضمن مشروعات مستدامة، فقد تنتقل الشراكة إلى مستوى أكثر عمقاً، تُقاس فيه نتائجها بحجم الاستثمارات والإنتاج والصادرات وفرص العمل ونقل التكنولوجيا، بالتوازي مع تنامي الروابط الثقافية والتعليمية والسياحية. وبذلك، يمكن أن تشكل الذكرى السبعون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الشراكة المصرية ـ الصينية، تقوم على المصالح المتبادلة والنتائج الملموسة، وتمتد آفاقها إلى العقود المقبلة.

صور ساخنة