بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
إختتمت منظمة شنغهاي للتعاون قمتها التي استضافتها العاصمة القيرغيزية بيشكيك يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر، بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها، بتوقيع «إعلان بيشكيك» وسلسلة من الوثائق الأخرى التي تعكس توجه المنظمة نحو تعزيز التعاون بين دولها الأعضاء في مختلف المجالات.
وفي ظل هذه المحطة المفصلية في مسيرة المنظمة، تكتسب كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام الاجتماع السادس والعشرين لمجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون أهمية خاصة، باعتبارها مدخلاً مهماً لفهم توجهات المنظمة في مرحلتها المقبلة. ففي كلمته التي ألقاها في 1 سبتمبر 2026، قدّم شي جين بينغ رؤية تتجاوز حدود الخطاب التقليدي حول التعاون الإقليمي، واضعاً مستقبل المنظمة في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، ومؤكداً ضرورة الانتقال بها من مرحلة التركيز على توسيع العضوية وتعزيز الأمن إلى مرحلة أكثر طموحاً، عنوانها رفع جودة التنمية، وتعميق التكامل الاقتصادي، وتعزيز التنسيق بين دول المنطقة.
وتكتسب هذه الرؤية دلالتها بصورة أكبر بالنظر إلى المسار الذي قطعته المنظمة خلال ربع قرن، إذ تحولت من إطار إقليمي محدود إلى منظمة ذات امتداد جغرافي وسكاني واسع، تتناول طيفاً متزايداً من الملفات، من الأمن والاقتصاد والطاقة إلى التكنولوجيا والتنمية، وهو ما يجعل الذكرى الخامسة والعشرين مناسبة ليس فقط لاستعراض ما تحقق، وإنما أيضاً لتحديد ملامح المرحلة المقبلة ودور المنظمة في نظام دولي يشهد تحولات متسارعة.
من «روح شنغهاي» إلى استراتيجية العقد المقبل
يستند خطاب شي جين بينغ إلى مفهوم »روح شنغهاي« القائم على الثقة والمنفعة المتبادلتين، والمساواة والتشاور، واحترام تنوع الحضارات، وتحقيق التنمية المشتركة، باعتباره أساساً لإعادة تعريف دور المنظمة خلال المرحلة المقبلة. وفي الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، يدعو شي جين بينغ إلى الانتقال من مرحلة ترسيخ هوية المنظمة إلى بناء رؤية استراتيجية طويلة الأمد، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. وتتصدر التنمية الاقتصادية هذه الرؤية، باعتبارها أداة لتعميق الترابط الإقليمي وتعزيز الاستقرار، من خلال توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والنقل، إلى جانب مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعات والمعادن الخضراء. وفي هذا الإطار، تطرح الصين مبادرات تشمل إنشاء مركز للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتنفيذ 100 مشروع للتعاون التكنولوجي خلال ثلاث سنوات، وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة وتأهيل الكفاءات في الصناعات الخضراء. كما يولي الخطاب أهمية لتعزيز ممرات النقل والتجارة، بما يعكس الرؤية الصينية للربط اللوجستي والبنية التحتية باعتبارهما ركيزة أساسية للتكامل الاقتصادي الإقليمي والتنمية المشتركة.
من مكافحة الإرهاب إلى بناء منظومة أمن شاملة ومتكاملة
يشكل الأمن الركيزة الثانية في خطاب شي جين بينغ، الذي يقدم مقاربة شاملة تتجاوز التهديدات التقليدية، لتشمل الإرهاب والانفصالية والتطرف والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والاحتيال الإلكتروني، إلى جانب تحديات الأمن المعلوماتي والبيولوجي وأمن الفضاء الخارجي. وتعكس هذه الرؤية توسعاً في مفهوم الأمن ضمن الأجندة الصينية والإقليمية، بحيث تتداخل أبعاده الاقتصادية والتكنولوجية والسيبرانية ضمن منظومة أمنية متكاملة. وفي هذا الإطار، يشدد الخطاب على رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول، في رسالة ذات دلالة سياسية في ظل تصاعد التنافس الدولي على آسيا الوسطى والمجال الأوراسي. وفي المقابل، تطرح الصين مفهوم »الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام« كإطار للعمل الجماعي، وتسعى إلى تعزيز دور منظمة شنغهاي للتعاون كمنصة إقليمية لتطبيق مبادرة الأمن العالمية ومواجهة التهديدات والتحديات بصورة جماعية.
ترسيخ جسور التواصل وتعزيز الصداقة بين الشعوب
يعزز خطاب شي جين بينغ البعد الإنساني والثقافي في عمل منظمة شنغهاي للتعاون، انطلاقاً من اعتبار تنوع الحضارات والثقافات إحدى أبرز سمات المنطقة، ومصدراً لتعزيز التقارب والتفاهم بين شعوبها. ويدعو في هذا السياق إلى توسيع شبكات التعاون لتشمل المؤسسات التشريعية والأحزاب السياسية والجامعات ومراكز الفكر والشركات ووسائل الإعلام، بما يمنح التعاون الإقليمي بعداً شعبياً ومجتمعياً يتجاوز الأطر الحكومية والأمنية. كما يعكس هذا التوجه اهتماماً بتعزيز القوة الناعمة والتفاهم المتبادل بوصفهما ركيزتين لترسيخ الصداقة بين الدول الأعضاء. وفي هذا الإطار، تطرح الصين مبادرات في مجالي التعليم والتبادل الثقافي، من بينها إنشاء مركز للتعاون في التعليم الأساسي بين الصين ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومواصلة برامج مثل معاهد كونفوشيوس وورش لوبان، بما يسهم في بناء جسور التواصل والتبادل وتعزيز الصداقة بين الشعوب.
من الحوكمة الإقليمية إلى إعادة صياغة النظام الدولي
ربما تحمل الفقرة المتعلقة بالحوكمة العالمية أوسع أبعاد الكلمة السياسية. حيث أكد شي جين بينغ مبدأ المساواة بين الدول الكبيرة والصغيرة، وتسوية الخلافات عبر الحوار والتشاور، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف. كما يرحب بالنقاشات التي جرت في اجتماع «منظمة شنغهاي للتعاون بلاس» بشأن تعزيز دور الأمم المتحدة وبناء عالم متعدد الأقطاب. وهنا تتجاوز رسالة الخطاب حدود المنظمة لتلامس الرؤية الصينية للنظام الدولي: نظام أكثر تعددية، وأقل خضوعاً لهيمنة قطب واحد، وأكثر اعتماداً على المؤسسات والحوار والتشاور. وفي تناوله للأزمات الدولية، ولا سيما أوكرانيا والشرق الأوسط وأفغانستان، تكرر الصين دعوتها إلى معالجة الأسباب والجذور بالتوازي مع معالجة المظاهر، والدفع نحو الحلول السياسية. وهذا ينسجم مع خطابها الدبلوماسي الذي يضع الحوار والتسوية السياسية في مواجهة منطق الصراع والاستقطاب.
بذلك، تطرح كلمة شي جين بينغ رؤية تتجاوز الاحتفاء بمرور 25 عاماً على تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، لتضع أمامها ملامح مرحلة جديدة تقوم على التنمية عالية الجودة، وتعميق التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وتعزيز الأمن والحوكمة متعددة الأطراف. وإذا كان نجاح هذه الرؤية مرهوناً بقدرة الدول الأعضاء على تحويل المبادئ والمبادرات إلى مشاريع ملموسة، فإن الصين تؤكد استعدادها للعمل مع جميع الأطراف لمواصلة رفع راية «روح شنغهاي» وتنفيذ استراتيجية تنمية المنظمة للسنوات العشر المقبلة، بما يدفع نحو تنمية أكثر جودة ويعزز إسهام المنظمة في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون فقط في توسيع نفوذ المنظمة، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الطموح إلى تعاون فعلي ومستدام يخدم مصالح شعوب دولها الأعضاء ويعزز حضورها في النظامين الإقليمي والدولي.


روبوتات تتحدى شدّ الحبل.. والسقوط يفاجئ الجميع
لا ترمش عينك، خبز النان سيطير في الحال!
ثلاثة أكواب تجعلك تكتشف مدينة قوييانغ
فن الصنوبر... رسالة فنانة من آرشان لحماية الغابات
مشهد مذهل لعبور الظباء التبتية في شيتسانغ خلال الهجرة الموسمية
بحيرة يونتشنغ تتلألأ بالألوان: ازدهار الطحالب يرسم مشهداً طبيعياً فريداً
عيد دوانوو: حكاية مهرجان قوارب التنين عبر فن الرسم بالرمال
الدمية الصينية "لابوبو" تخطف الأضواء في افتتاح كأس العالم