الصفحة الرئيسية >> العالم العربي

مقالة: فلسطيني من غزة يحاول إعادة الحياة إلى كتبه وينشئ مكتبة للقراء في ظل الحرب

/مصدر: شينخوا/   2026:09:03.09:11

غزة 2 سبتمبر 2026 (شينخوا) داخل خيمة متواضعة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يجلس الفلسطيني محمد سعد، بين آلاف الكتب التي نجت من الحرب، يمسك بأحدها، ينفض الغبار عن غلافه، ويقلب صفحاته بعناية قبل أن يضعه إلى جانب عشرات الكتب الأخرى.

ويقضي سعد ساعات طويلة في تنظيف الكتب وترتيبها ومحاولة حمايتها من التلف وإعادتها إلى أيدي القراء، بعدما انتشلها من تحت أنقاض مكتبته ومخزنه في بيت لاهيا شمالي القطاع.

ويقول سعد (58 عاما)، وهو أب لخمسة أبناء لوكالة أنباء ((شينخوا)) إنه كان يمتلك قبل الحرب ما بين 80 ألفا و100 ألف كتاب في بيت لاهيا، جمعها على مدى نحو 35 عاما، وكان يبيع بعضها أمام الجامعة الإسلامية في غزة.

وخلال الحرب، كان يعتقد أنه خسر مكتبته بالكامل بعد تدمير منزله ومخزنه، غير أنه تمكن قبل نحو ثلاثة أشهر من العودة إلى منزله المدمر.

ويستذكر قائلا "لم أهتم بمنزلي ولا بمقتنياتي الشخصية... أول شيء بدأت البحث عنه بين الركام هي كتبي ومكتبتي... وما إن وجدت بعض الكتب بحالة جيدة شعرت كما لو أن روحي ردت إلي، وبدأت بانتشالها واحدا واحدا".

وعلى مدار أسابيع، تمكن سعد بجهود فردية وبمساعدة الجيران، من انتشال أكثر من 30 ألف كتاب، بينها روايات وكتب تاريخية وعلمية وفلسفية، ونقلها إلى مدينة دير البلح، على حد قوله.

ويتابع "لم أصدق نفسي بأنني أنقذت هذا الكم من الكتب... لقد بكيت حقا، فهي بالنسبة لي ليست كتبا فقط، وإنما تعني الحياة والتاريخ والسعادة".

ومع وصول الكتب إلى دير البلح، لم يرغب سعد في أن تبقى حبيسة الخيمة أو مكدسة بعيدا عن القراء، فقرر إنشاء مكتبة "أثر" لتكون مساحة تتيح للناس الوصول إلى الكتب وقراءتها والاستفادة منها، وتعيد إلى ما نجا من مكتبته دوره في نشر المعرفة والثقافة.

ويقول سعد إن الكتب التي خاطر بحياته لإنقاذها يجب ألا تبقى محفوظة فحسب، بل أن تعود إلى أيدي القراء، ولا سيما الأطفال والشباب والنساء.

ويضيف، وهو يرتب الكتب وينفض عنها الغبار، "أنا لا أبحث عن المال أو المنفعة المادية، كل ما أريده هو أن تصل هذه الكتب إلى الناس وأن يقرأوا ويتعلموا ويستفيدوا منها".

ورغم أن المكتبة لا تزال تفتقر إلى مبنى مجهز ورفوف مناسبة، بدأ القراء في الوصول إليها، بعضهم لشراء الكتب، والبعض الآخر لاستعارتها وقراءتها ثم إعادتها.

ويقول سعد إن النساء والأطفال من بين أكثر الزوار اهتماما بالروايات والقصص، بينما يبحث الشباب عن الكتب الثقافية والتاريخية وغيرها من المجالات.

ومن بين رواد المكتبة، يقول محمد الديب (25 عاما) إنه يأتي إليها بحثا عن الكتب التي يحب قراءتها، وخاصة مؤلفات الأدباء العرب.

ويضيف الديب لـ((شينخوا)) "بالنسبة لي، أصبحت القراءة ملاذا، خصوصا في ظل انقطاع الإنترنت والكهرباء لفترات طويلة. عندما أقرأ أشعر أنني أبتعد قليلا عن أجواء الحرب وما تحمله من خوف وقلق، وأجد في الكتاب مساحة هادئة أستطيع فيها أن أفكر في شيء آخر".

ويوضح أنه يأخذ بعض الروايات إلى خيمته ويقرأها مع أفراد أسرته، مضيفا "القراءة أصبحت واحدة من الأشياء القليلة التي نستطيع القيام بها معا في ظل هذه الظروف".

ويتابع "الكتاب لا يحتاج إلى كهرباء أو إنترنت، ويمكن أن يكون معك في أي مكان حتى داخل الخيمة... نحن بحاجة إلى أشياء تذكرنا بأن حياتنا ليست حربا فقط".

أما إبراهيم أبو عمشة (30 عاما)، فيقول إنه يزور مكتبة "أثر" من حين إلى آخر لتصفح الكتب وشراء ما يناسبه منها، معتبرا أن وجودها أعاد شيئا من الحياة الثقافية التي تراجعت بشدة خلال الحرب.

ويضيف أن اهتمامه يشمل الروايات والتاريخ الفلسطيني وكتب الأطفال، موضحا أن الحرب جعلت الحصول على الكتب والقراءة أكثر صعوبة في ظل النزوح وتدمير المكتبات وتراجع المساحات المخصصة للثقافة.

ويتابع "قبل الحرب كان الوصول إلى الكتاب أمرا سهلا، وكانت المكتبات موجودة في مناطق مختلفة، أما اليوم فأصبح العثور على كتاب تحبه أمرا يحتاج إلى جهد. لذلك عندما وجدت هذه المكتبة شعرت أنها فرصة مهمة لي ولغيري من القراء".

ويشير إلى أن "الحرب أخذت منا الكثير من الأشياء، لكن لا يجب أن تأخذ منا القراءة أيضا"، معربا عن أمله في استمرار المكتبة وتوسعها.

ويأتي إنشاء "مكتبة أثر" في وقت تعرض فيه المشهد الثقافي في قطاع غزة لخسائر واسعة خلال الحرب.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كان في القطاع قبل الحرب 87 مكتبة عامة ومؤسسة مكتبية، وقد تعرضت جميعها لأضرار كلية أو جزئية منذ السابع من أكتوبر 2023.

كما تضررت جميع الجمعيات والمراكز الثقافية المسجلة لدى وزارة الثقافة الفلسطينية، بينما دمرت نحو 30 مؤسسة ثقافية غير مسجلة بشكل كامل، بحسب الإحصاء الفلسطيني.

ووفق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تم التحقق من أضرار لحقت بـ164 موقعا ثقافيا في قطاع غزة حتى 24 مارس 2026، بينها 14 موقعا دينيا، و128 مبنى ذا أهمية تاريخية أو فنية، وثلاثة مستودعات للممتلكات الثقافية المنقولة، وتسعة معالم، ومتحفان، وثمانية مواقع أثرية.

ومن بين المواقع التي وثقت اليونسكو تعرضها للأضرار المسجد العمري الكبير، وقصر الباشا، والمركز الثقافي رشاد الشوا، ومجمع كنيسة القديس برفيريوس، ومركز المخطوطات في دار السعادة.

وفي مواجهة هذه الخسائر، يصر سعد على أن الحفاظ على الكتب يمثل جزءا من الحفاظ على ذاكرة المجتمع، ويأمل في أن تصبح مكتبته مساحة مفتوحة للقراء، وخاصة الأطفال والشباب.

ويقول "لقد دمرت الحرب الكثير من الأشياء، لكن علينا أن نعيد الحياة إلى الكتاب، وأن نعيد الأطفال إلى الثقافة والعلم والمدرسة".

غير أن "مكتبة أثر" لا تزال تواجه تحديات كبيرة، إذ ما زالت الكتب موضوعة في مكان مفتوح ومعرضة لأشعة الشمس والرطوبة والأمطار، ولا تتوفر لها رفوف أو غرفة مناسبة لحفظها.

ويخشى سعد من أن تؤدي هذه العوامل إلى إتلاف ما تمكن من إنقاذه، لكنه يتمسك بمهمته في حماية مكتبته وإعادتها إلى القراء، قائلا "إذا لم يكن هناك علم وثقافة، سننهار. لذلك أريد أن تبقى هذه الكتب حية، وأن تصل إلى الناس وتساعدهم على بناء حياتهم من جديد".

صور ساخنة