غزة 17 سبتمبر 2026 (شينخوا) يقف المزارع محمد الدحدوح في أرضه الزراعية القريبة من الخط الأصفر في مدينة غزة، متفقدا محصول البطاطا الذي زرعه في مساحة لا تتجاوز سبعة دونمات، بعدما كانت الأرض التي يعمل فيها تزيد على 40 دونما قبل الحرب.
ويحاول الدحدوح الحفاظ على مهنته ومصدر دخله رغم تقلص المساحات الزراعية، ومخاطر العمل قرب الخط الأصفر، ونقص المياه والطاقة ومستلزمات الإنتاج.
ويقول الدحدوح (55 عاما)، وهو أب لستة أبناء، لوكالة أنباء ((شينخوا)) "على الرغم من أنه لا توجد حاليا مستلزمات تساعدنا على الزراعة، ولا تتوفر الطاقة أو الكهرباء، وحتى المواد والمستلزمات الزراعية التي كنا نشتريها رغم ارتفاع أسعارها، لم نعد قادرين على توفيرها، إلا أنني أصر على الزراعة وجني المال من أجل أطفالي".
ويزرع الدحدوح البطاطا حاليا، فيما يخطط لزراعة الطماطم في موسم آخر، في محاولة للاستمرار في مهنة يعتمد عليها منذ سنوات.
ويقول إن الظروف الأمنية تجبره أحيانا على مغادرة أرضه عندما تتعرض المناطق المحيطة للقصف، قبل أن يعود إليها لاستكمال العمل.
ويضيف "إن العمل في هذه المنطقة يمثل خطرا كبيرا، لكننا نحاول الاستمرار.. عندما تتعرض المنطقة المحيطة بنا للقصف، نضطر إلى مغادرة المكان، وبعد توقف القصف نعود مرة أخرى إلى العمل".
ولا تختلف حال الدحدوح عن مزارعين آخرين يحاولون استعادة نشاطهم في مناطق مختلفة من القطاع، بعدما فقد كثير منهم أراضيهم أو مصادر المياه والمعدات الزراعية، أو أصبح الوصول إلى حقولهم أكثر صعوبة.
وفي بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، يحاول المزارع إبراهيم أبو سمهدانة (42 عاما)، وهو أب لستة أطفال، العودة إلى الزراعة من خلال زراعة الفراولة وأحيانا الكوسا والباذنجان، بينما يقيم في خيمة بجوار أنقاض منزله المدمر.
ويقول أبو سمهدانة لوكالة ((شينخوا)) "لقد دمرت الحرب القطاع الزراعي بالكامل.. كانت لدينا أرض تبلغ مساحتها 22 دونما، لكنها دمرت بالكامل ولم يبق منها شيء يمكن الاعتماد عليه".
ويشير إلى أن تضرر قطاعات العمل الأخرى جعل الزراعة بالنسبة إليه وسيلة أساسية لكسب الرزق، مؤكدا تمسكه بالمهنة التي تعلمها منذ الصغر.
ويقول "أنا مصمم على الاعتماد على الزراعة، لأنها المهنة التي اعتدنا عليها منذ الصغر، وسأواصل العمل فيها مهما كانت المخاطر والظروف الصعبة".
وفي جنوب القطاع، تظهر أزمة الزراعة أيضا في موسم الجوافة، الذي كان من المواسم الزراعية المهمة في غزة، لكنه يأتي هذا العام وسط تراجع كبير في المساحات المزروعة وتضرر الأشجار ونقص مستلزمات الإنتاج.
وفي أرضه بمدينة خان يونس، يتفقد المزارع هاني القدرة ثمار الجوافة التي بدأت تنضج، محاولا إنقاذ ما تبقى من محصوله وسط أشجار قليلة نجت من القصف والتجريف.
وكانت أرض القدرة تمتد قبل الحرب على نحو 1,350 دونما، لكنها تقلصت حاليا إلى حوالي 200 دونم، فيما تراجع عدد العمال الذين يعتمدون عليها من نحو 100 عامل إلى 15 عاملا فقط، بحسب قوله.
ويقول القدرة لوكالة ((شينخوا)) "الجوافة من أهم المحاصيل الزراعية في قطاع غزة، ويعتمد عليها السكان والمزارعون، سواء من حيث توفير الغذاء أو فرص العمل".
ويضيف أن القصف والتجريف ونقص الكهرباء والوقود والمياه والأسمدة والأدوية الزراعية أدت إلى تراجع المساحات المنتجة بشكل كبير.
ويبدأ موسم الجوافة في قطاع غزة عادة في شهر سبتمبر ويستمر حتى نهاية ديسمبر، لكن الموسم الحالي يأتي في ظل تضرر واسع للأراضي والأشجار، ما انعكس على كمية المحصول المتاحة في الأسواق.
وفي الحقول نفسها، يعمل المزارع محمد حسونة على قطف الجوافة ونقلها إلى الأسواق، بعد أن عاد مؤخرا إلى مهنته الزراعية عقب نزوحه من مدينة رفح إلى خان يونس في منتصف عام 2024.
ويقول حسونة لوكالة ((شينخوا)) إن إنتاج الجوافة هذا الموسم تراجع بنحو 50 بالمئة مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، نتيجة الأضرار التي لحقت بالأراضي ونقص الأدوية الزراعية والظروف الأمنية الصعبة.
ويضيف "بدأنا منذ نحو أسبوع في قطف المحصول ونقله إلى الأسواق، لأن بعض الأصناف لم تعد متوفرة، ولذلك نحاول توفير الجوافة من خلال المحصول المتبقي لدينا".
ومع تراجع الإنتاج المحلي، امتدت آثار الأزمة إلى الأسواق، حيث أصبحت بعض الخضروات والفواكه أقل توافرا وأكثر تكلفة.
وفي أحد أسواق خان يونس، يقول المواطن أحمد النجار (45 عاما)، وهو أب لثلاثة أطفال، إن الجوافة التي كانت فاكهة محلية متاحة خلال موسمها أصبحت اليوم مرتفعة الثمن.
ويقول النجار لوكالة ((شينخوا)) "كانت الجوافة من الفواكه التي تستطيع الأسر شراءها خلال موسمها، أما اليوم فقد أصبحت باهظة الثمن. أشعر بالحزن عندما يطلبها أطفالي ولا أستطيع شراءها".
ويرى الخبير الزراعي والتنموي محمد أبو شمالة أن ما يحدث لمحصول الجوافة يمثل جزءا من أزمة أوسع ضربت القطاع الزراعي في غزة.
ويقول أبو شمالة إن مساحة الأراضي المزروعة بالجوافة كانت تبلغ نحو 1,700 دونم قبل الحرب، لكنها تقلصت حاليا إلى أقل من 100 دونم، مشيرا إلى أن الأضرار طالت الأراضي والتربة وشبكات المياه ومصادر الري.
ويضيف أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية أصبحت خارج قدرة المزارعين على الوصول إليها وزراعتها، خصوصا في المناطق الشرقية من خان يونس وعبسان ورفح وجباليا ومدينة غزة، نتيجة الظروف والقيود الأمنية.
كما تراجعت جودة المياه المستخدمة في الزراعة، خاصة في منطقة المواصي المكتظة بالنازحين، حيث ارتفعت ملوحة بعض مصادر المياه من نحو 400 جزء في المليون إلى ما بين 4,000 و5,000 جزء في المليون، بحسب أبو شمالة، الأمر الذي يؤثر على جودة المحاصيل ويحد من القدرة على زراعة أصناف عديدة.
وتؤكد وزارة الزراعة في غزة أن الأضرار التي لحقت بالقطاع تجاوزت خسارة المحاصيل والأشجار لتشمل البنية الأساسية اللازمة لاستمرار الإنتاج.
ويقول المتحدث باسم الوزارة رأفت عسلية إن الأضرار والخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي بلغت نحو ثلاثة مليارات دولار، منها 1.49 مليار دولار أضرارا مباشرة و1.59 مليار دولار خسائر غير مباشرة.
ويضيف أن الحرب تسببت في خروج نحو 8,700 بئر مياه زراعية عن الخدمة بالكامل، وتضرر 3,828 بركة مياه زراعية، فضلا عن تدمير نحو 1,371 كيلومترا من خطوط نقل المياه الزراعية.
وتعكس بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" حجم الضرر الذي أصاب الأراضي والمحاصيل في القطاع.
ووفقا لأحدث تقييم للمنظمة الصادر في 18 أغسطس الماضي، بقيت نحو 448 هكتارا فقط من الأراضي المزروعة، أي حوالي ثلاثة بالمئة، متاحة وغير متضررة، مقارنة بنحو 601 هكتار في أكتوبر 2025.
كما أظهرت بيانات "فاو" ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية "يونوسات" أن نحو 87 بالمئة من الأراضي المزروعة في قطاع غزة تضررت، فيما بلغت نسبة الأضرار في البساتين والأشجار نحو 89 بالمئة.
وكان القطاع الزراعي يمثل قبل الحرب نحو 10 بالمئة من اقتصاد غزة ويوفر سبل العيش لأكثر من 560 ألف شخص، وفقا للبيانات المتاحة.
ويقول أبو شمالة إن هذه الأرقام تعكس خسارة تتجاوز تراجع إنتاج موسم واحد، إذ يواجه المزارعون خطر فقدان القدرة على مواصلة الزراعة بصورة منتظمة بسبب تضرر الأراضي ومصادر المياه والبنية التحتية الزراعية.
ورغم حجم الخسائر، يواصل الدحدوح زراعة البطاطا والاستعداد لزراعة الطماطم، بينما يزرع أبو سمهدانة الفراولة والخضروات، ويعمل القدرة وحسونة على إنقاذ محصول الجوافة المتبقي.
وتكشف هذه المحاولات أن المزارعين في غزة لا يحاولون فقط إنقاذ محاصيل متفرقة، بل يسعون إلى إبقاء قطاع زراعي كامل على قيد الحياة، في ظل أراض تقلصت مساحاتها، وبنية تحتية تعرضت لأضرار واسعة، ومستلزمات إنتاج أصبحت بعيدة عن متناول كثير منهم. /نهاية الخبر/


طاقة أينما وُجد الضوء.. ابتكار صيني يجعل الخلايا الشمسية أكثر مرونة
"جسر الجيش الأحمر"، 90 عاما من الذاكرة الثورية في قويتشو
تشونغتشينغ تنظم مسابقة للمهارات الروبوتية المحاكية للكائنات الحيّة
منطقة خزان الخوانق الثلاثة: الطائرات المسيّرة تفتح "ممرًا جويًا" للحصاد الخريفي
روبوتات تتحدى شدّ الحبل.. والسقوط يفاجئ الجميع
لا ترمش عينك، خبز النان سيطير في الحال!
ثلاثة أكواب تجعلك تكتشف مدينة قوييانغ
فن الصنوبر... رسالة فنانة من آرشان لحماية الغابات