الصفحة الرئيسية >> العالم

تعليق:  مستقبل اليابان مرهون باقتلاع جذور أزمتها

شهد الثامن عشر من سبتمبر الجاري دقَّ ناقوسِ الخطر التاريخي من جديد في أنحاء الصين. فقبل 95 عامًا، دبّرت النزعة العسكرية اليابانية حادثةً متعمدة، وأشعلت حربًا عدوانية سافرة ضد الصين، فنهض الشعب الصيني للمقاومة، لتشكّل تلك المواجهة بدايةً لمسرح العمليات في الشرق خلال الحرب العالمية المناهضة للفاشية. وبعد أربعة عشر عامًا من النضال الدامي، حقق الشعب الصيني، رغم ما قدّمه من تضحيات وطنية جسيمة، انتصارًا عظيمًا للعدالة على الشر، مسجلًا فصلًا مدويًا في تاريخ الحرب العالمية المناهضة للفاشية. ولا يهدف إحياء ذكرى "حادثة 18 سبتمبر" واستحضار هذا التاريخ بأي حال من الأحوال إلى تأجيج الكراهية، بل إلى صون السلام وبناء المستقبل، من خلال استخلاص العبر من التاريخ والتمسك بمنظور تاريخي سليم.

وفيما يتعلق بالمسألة الجوهرية المتمثلة في النظرة إلى التاريخ، لم تُبدِ اليابان، بوصفها الطرف المعتدي في حرب العدوان، أي ندم حقيقي. بل على العكس، مضت أبعد فأبعد في نهج تحريف التاريخ وتشويهه. ويزخر "الكتاب الأبيض للدفاع" الياباني لعام 2026، الذي صدر مؤخرًا، بالمعايير المزدوجة، إذ يشوّه الموقف الدفاعي الوطني المشروع للصين، ويحرّف روايتها التاريخية، ويصفها بما يُسمى "التهديد الإدراكي"، في حين يصوّر اليابان على أنها ضحية لحرب معلومات، متجاهلًا تمامًا ممارساتها هي في تزوير تاريخ عدوانها. وعلاوة على ذلك، فإن إعطاء اليابان الأولوية لـ"قدرات الحرب الإدراكية" في سياق توسيع قدراتها العسكرية يكشف، في جوهره، عن استخدام شعار "مواجهة الحرب الإدراكية" ستارًا لتمرير أجندة تحريف التاريخ.

كثيراً ما تتجاوز قوى اليمين الياباني الحدود فيما يتعلق بالقضايا التاريخية، مما يؤدي إلى تقويض مستمر للتوافق القائم حول العدالة التاريخية. فعلى الصعيد الرسمي، تخضع الكتب المدرسية لمراجعات متكررة تُقلل من شأن أعمال العدوان، مثل مذبحة نانجينغ، وتُضخّم عمداً الروايات التي تُصوّر البلاد كضحية للقصف الذري مع التهرب من الاعتراف بدورها كطرفٍ مُعتدٍ. فضلاً عن الزيارات المتكررة التي يقوم بها السياسيون لضريح ياسوكوني الذي يُكرّم مجرمي الحرب من الفئة أ، مما يمثل إنكاراً للشرعية القانونية لمحاكمات طوكيو. وفي مجال التعليم، وُزِّعت نسخة مخصصة للأطفال من "الكتاب الأبيض للدفاع" على آلاف المدارس الابتدائية في جميع أنحاء البلاد، كما تسللت مواد التجنيد الخاصة بـ "قوات الدفاع الذاتي" إلى الحرم المدرسي، مما يغرس عقليات صدامية لدى النشء سريع التأثر. أما في مجال الرأي العام، فتستخدم الجماعات اليمينية الذكاء الاصطناعي لتلفيق محتوى صوتي ومرئي يشوه التاريخ، بينما تدفع أموالاً لنشر روايات تاريخية زائفة في الخارج. وتكشف البيانات العامة أن اليابان استثمرت، منذ عام 2015، أكثر من 56 مليار ين فيما يُعرف بـ "النشر الاستراتيجي للمعلومات في الخارج"، وهي جهود تهدف تحديداً إلى تشويه السمعة ومحاولة إعادة صياغة الأحكام التاريخية.

تكشف هذه الإجراءات المتتالية عن هدف يتجاوز مجرد إثارة الضجيج الإعلامي أو التأثير في الرأي العام. فهي تستهدف، في جوهرها، إزالة القيود الأيديولوجية، ودفع اليابان إلى تجاوز الإطار الذي حُدِّد لها في مرحلة ما بعد الحرب، وصولًا إلى إعادة العسكرة. وإن مواجهة تاريخ العدوان واجتثاث الإرث السام للنزعة العسكرية يُعدان شرطين أساسيين لكي تسلك اليابان طريق السلام، كما يمثلان ضمانات حيوية للنظام الدولي القائم في مرحلة ما بعد الحرب. غير أن قوى اليمين في اليابان سارت في الاتجاه المعاكس. فعلى الصعيد الداخلي، تعمل هذه القوى على قمع المعارضة الشعبية للتوسع العسكري والحفاظ على ميزانيات دفاع متزايدة باستمرار. أما على الصعيد الدولي، فهي تغطي على الطابع الهجومي لتوسعها العسكري من خلال التطوير المكثف لقدرات الضرب بعيد المدى، وتخفيف القيود المفروضة على تصدير الأسلحة، وإجراء مناورات عسكرية متعددة الأطراف بشكل متكرر، والتحالف مع قوى من خارج المنطقة للانخراط في مواجهات قائمة على التكتلات، مما يؤدي إلى تفاقم التوترات الإقليمية والانزلاق نحو المسار الخطير لما يمكن وصفه بـ "شكل جديد من النزعة العسكرية".

تُبدّد اليابان، بهذا النهج، مقومات مستقبلها خطوةً تلو الأخرى، فحين يُمنَح مجرمو الحرب مظاهر التبجيل، وتُرسَّخ روايات مشوَّهة في الكتب المدرسية، وتُغذّى مشاعر العداء لدى النشء، وتُمسّ مبادئ السلام الأساسية بصورة متكررة، فإنها تبتعد تدريجيًا عن مقومات بناء مستقبل مستقر وسلمي. وإن الفهم المشوّه للتاريخ هو تحديداً السبب الجذري الأيديولوجي الكامن وراء ظهور "شكل جديد من النزعة العسكرية" في اليابان. وما لم يتم استئصال هذا الداء من جذوره ، فلن يمكن التخلص تماماً من السموم المتبقية للنزعة العسكرية، ولن تنجح اليابان في كسب ثقة المجتمع الدولي وتفهمه، ولا سيما جيرانها الآسيويين، كما لن يتسنى ترسيخ دعائم السلام والتنمية في المنطقة بشكل متين. ويصادف هذا العام الذكرى الثمانين لبدء محاكمات طوكيو. وفي هذه المرحلة التاريخية المفصلية، يتعين على اليابان على وجه الخصوص، أن تواجه الحقائق التاريخية لعدوانها، وأن تراجع بصدق وعمق مسؤوليتها عن الحرب، وأن تقطع صلتها نهائياً بالنزعة العسكرية على الصعيد الأيديولوجي. وإن هذا هو الخيار الصائب الذي يخدم المصالح الجوهرية للشعب الياباني.

صور ساخنة