الصفحة الرئيسية >> العالم العربي

المحروقات ترهق اللبنانيين: ارتفاع كلفة المعيشة يطال مختلف جوانب الحياة اليومية

/مصدر: شينخوا/   2026:09:20.09:15

مرجعيون، جنوب لبنان 19 سبتمبر 2026 (شينخوا) في حديقة منزل مستأجر بإحدى قرى حاصبيا في جنوب شرق لبنان، ينحني الخمسيني حسان أبو همين بين حين وآخر ليلتقط قطعة خشب يابسة أو غصنا متساقطا، ثم يجمعها في كومة صغيرة قبل أن يحملها إلى منزله، آملا في استخدامها لتدفئة أطفاله خلال الشتاء.

رب العائلة، النازح من بلدة دبين في جنوب لبنان، لا يجمع الحطب بحثا عن وسيلة تقليدية للتدفئة، بل يحاول إيجاد بديل أقل كلفة عن المازوت، في وقت تتزايد فيه أسعار المحروقات وتثقل كلفتها ميزانية أسرته واحتياجاتها اليومية.

وفي منزل آخر وسط بلدة الغازية بجنوب لبنان، تواجه كما قالت نادين نصر الله لوكالة أنباء ((شينخوا ))، وهي أم لثلاثة أطفال، عبئا مختلفا فهي تحاول تأمين بدل نقل أولادها إلى المدرسة بعدما ارتفعت كلفة الحافلة المدرسية إلى أكثر من نصف ما كانت تدفعه سابقا، لتجد نفسها أمام مصروف إضافي يصعب إدراجه في ميزانية تتوزع أصلا بين الغذاء والسكن والتعليم والتدفئة وسائر الاحتياجات الأساسية.

بين رجل يجمع بقايا الحطب ليدفئ أطفاله، وأم تكافح لتأمين وسيلة نقل تصون حق صغارها في التعليم، تتشكل صورتان من واقع معيشي قاص، باتت فيه المحروقات هما جاثما على تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين.

وأشارت نادين إلى أن ارتفاع أسعار الوقود لا يتوقف تأثيره عند محطات التعبئة، بل يمتد إلى كلفة التنقل والعمل والتعليم والتدفئة ونقل السلع والخدمات والمواد الغذائية، فيما تختلف قدرة الأسر على مواجهة هذه الزيادة بحسب مستوى دخلها وحجم التزاماتها.

وأظهرت أحدث تسعيرة رسمية للمحروقات، الصادرة في 18 سبتمبر الجاري، بلوغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 2,810,000 ليرة لبنانية (حوالي 30 دولارا)، فيما بلغ سعر صفيحة المازوت 2,768,000 ليرة (حوالي 30 دولارا)، واستقرت قارورة الغاز عند 1,221,000 ليرة (حوالي 13 دولارا).

وفي هذا السياق قال فادي أبو شقرا ممثل نقابة موزعي المحروقات في لبنان لـ((شينخوا)) إن الصفيحة الواحدة من المحروقات تساوي 20 ليترا، مشيرا إلى أن أسعار المحروقات بشكل عام ستستمر بالارتفاع ولن يقف الأمر عند حدود 30 أو 31 دولارا، والارتفاع منذ أكثر من شهر يتراوح بين نصف دولار إلى دولارين في الأسبوع.

وتابعت نادين أن أثر هذه الزيادات طال أيضا فواتير اشتراكات المولدات الخاصة التي يعتمد عليها عدد كبير من اللبنانيين لتأمين الكهرباء، لتضيف كلفة جديدة إلى ميزانيات الأسر.

وأوضح أدهم فحص، العامل في متجر للمواد التموينية في بلدة دير الزهراني التابعة لمدينة النبطية، لـ((شينخوا)) أن الموظف الذي يستخدم سيارته يوميا للوصول إلى مكان عمله يتحمل الزيادة بصورة مباشرة، بينما يدفع مستخدمو سيارات الأجرة ووسائل النقل العام كلفة الارتفاع بصورة غير مباشرة من خلال زيادة أجور الرحلات أو ارتفاع كلفة تشغيلها.

وأضاف أن بعض المواطنين يحاولون التكيف عبر مشاركة السيارات مع الزملاء أو أفراد العائلة، أو تقليص عدد الرحلات، فيما يعتمد بعض العاملين على العمل من المنزل عندما تسمح طبيعة وظائفهم بذلك.

وقالت دلال عامر، وهي في الأربعينيات، لـ((شينخوا)) إن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس على أسعار سلع وخدمات مختلفة، وألقى بأعباء إضافية على الأسر الفقيرة والمتوسطة الدخل.

وأضافت دلال أن تقليص الإنفاق ليس أمرا سهلا بالنسبة إلى الأسر، لأن جزءا كبيرا من مصاريفها يرتبط بحاجات لا يمكن تأجيلها. وتابعت أن الأسرة تجد نفسها بذلك أمام عملية مستمرة لإعادة توزيع دخل محدود بين احتياجات متعددة.

وتبدو الصورة أكثر صعوبة بالنسبة إلى آلاف العائلات النازحة التي تعيش في ظروف اقتصادية هشة، وتحتاج إلى تأمين السكن والغذاء والتدفئة والنقل والتعليم في الوقت نفسه.

وقال حسان عبد العال، وهو نازح من بلدة حلتا إلى منطقة حاصبيا، لـ((شينخوا)) إن المشكلة لا تتوقف عند التدفئة، موضحا أن النازحين الذين يحتاجون إلى التنقل للعمل أو الدراسة أو الوصول إلى الخدمات يواجهون بدورهم كلفة نقل متزايدة.

وأشار إلى أن بدل نقل الطلاب في الحافلات المدرسية ارتفع بنحو 90 بالمائة. وفي هذا السياق، يواجه سائقو سيارات الأجرة و"السرفيس" ووسائل النقل المختلفة ارتفاعا في كلفة التشغيل.

وقال غسان صعب، وهو صاحب حافلة نقل، لـ((شينخوا)) إن الوقود ليس المصروف الوحيد، إذ تضاف إليه الصيانة وقطع الغيار والتأمين وغيرها من النفقات المرتبطة بتشغيل المركبات، مشيرا إلى أن أسعار بعض هذه المستلزمات ارتفعت أيضا بنحو 45 بالمائة، ما دفعه إلى رفع تعرفة الراكب في الرحلات القصيرة داخل المدن إلى نحو أربعة دولارات.

وأضاف صعب أن وزارة الاقتصاد والتجارة رفعت أمس سعر رزمة الخبز اللبناني الأبيض من الحجم الوسط في صالات الأفران من 75 ألف ليرة إلى 80 ألفا، بزيادة خمسة آلاف ليرة، فيما يشكل المازوت نحو 22 بالمائة من كلفة إنتاج الخبز.

وقال عامر لقيس وهو صاحب متجر في مدينة راشيا، إن تداعيات أسعار المحروقات تطال مختلف فئات المجتمع، لكن هامش التكيف يبقى أضيق لدى النازحين وأصحاب الدخل المحدود، الذين يواجهون التزامات أساسية متعددة ضمن موارد محدودة.

وفي ظل هذا الواقع المرير، لم تعد المحروقات مجرد مادة لتشغيل السيارات أو تدفئة المنازل، بل أصبحت جزءا من معادلة كلفة الحياة في لبنان، تنتقل تداعياتها من محطة الوقود إلى المنزل والمدرسة ومكان العمل والمولد الكهربائي والسوق، وتدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها في محاولة للحفاظ على احتياجاتها الأساسية.

صور ساخنة