بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
لم تعد قضايا الأمن والاستقرار في أفريقيا شأناً إقليمياً محصوراً في حدود القارة، بل أصبحت جزءاً مؤثراً في معادلة الأمن الدولي، بالنظر الى موقعها الاستراتيجي، وموارد الطبيعية، وأهميتها في سلاسل الامداد والتجارة العالمية، فضلاً عن ارتباط ازماتها بتحديات الإرهاب والهجرة غير النظامية والأمن الغذائي والتنافس الدولي. وفي ظل استمرارالنزاعات المسلحة والهشاشة المؤسسية في عدد من دولها، تبرز الحاجة الى مقاربات متكاملة تجمع بين تسوية الخلافات السياسية، وتعزيز دور المؤسسات الاقليمية، ومعالجة الاسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في اندلاع النزاعات وتجددها.
وفي هذا السياق، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال لقائه رئيس مجلس وزراء توغو فور غناسينغبي في بكين يوم 13 اكتوبر 2026، اربعة مبادئ للمشاركة البناء في تسوية بؤر التوتر في أفريقيا. يتمثل المبدأ الأول في التمسك بالقيادة الأفريقية، من خلال تمكين الدول والشعوب الافريقية والاتحاد الافريقي والمنظمات الاقليمية من قيادة جهود تسوية النزاعات، والتمسك بالوحدة والحكمة والتقاليد الافريقية، لتحديد الحلول المناسبة وفقاً لخصوصية القارة واحتياجاتها. أما المبدأ الثاني، فيتمثل في صون الإنصاف والعدالة، عبر الالتزام بميثاق الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول وسلامة اراضيها، وتعزيز التعددية ومراعاة الشواغل المشروعة للأطراف المعنية، بما يدعم التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة. ويؤكد المبدأ الثالث تغليب الحوار والوساطة والتشاور على المواجهة والعقوبات الأحادية، وتعزيز التنسيق بين الآليات الأفريقية والدولية لاحتواء النزاعات وبناء الثقة والتوصل إلى تسويات سياسية. أما المبدأ الرابع، فيركز على معالجة جذور النزاعات بالتوازي مع تلبية الاحتياجات الأمنية العاجلة وتعزيز التنمية طويلة الأجل، من خلال تعزيز التعاون في مجالات الزراعة والصناعة ومكافحة الفقر، والتكنولوجيا وغيرها لدعم التنمية المستدامة لدول المنطقة.
تتقاطع هذه المبادئ مع مواقف عربية وافريقية تؤكد احترام السيادة الوطنية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، والربط بين الأمن والتنمية. فقد شددت القمة العربية الصينية التي عقدت في الرياض على احترام سيادة الدول وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. كما أكد البيان المشترك بين الجزائر والصين، خلال زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى بكين في يوليو 2023، أهمية الحوار، ودعم أجندة الإتحاد الافريقي 2063، والعمل على إيجاد حلول افريقية للأزمات التي تشهدها القارة. وفي السياق ذاته، أشاد رئيس البرلمان العربي، محمد بن أحمد اليماحي بالمبادئ الأربعة، معتبراً أنها تسهم في دعم الحلول السلمية والحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين.
وعلى المستوى الأفريقي، نقلت وكالة أنباء شينخوا، في تقرير باللغة الفرنسية نشرته يوم 17 اكتوبر، آراء عدد من الخبراء والشخصيات الأفريقية بشأن هذه المبادئ. فقد رأى عالم الإجتماع ورئيس تحرير موقع " أكتوتشاينا كاميرون" جيرار نجويا، انها تتوافق مع أجندة الاتحاد الافريقي 2063، ويمكن أن تسهم في بناء قارة تنعم بالسلام والسيادة والازدهار، بما يتماشى مع تطلعات شعوبها. وأكد عالم السياسة الكاميروني غيمانويل يينشو فوبو ضرورة أن يتولى الأفارقة زمام إدارة بلدانهم وتسوية مشكلاتهم ، مشدداً على أن " أفريقيا يجب أن تكون سيدة مصيرها". ومن جانبه، رأى الخبيرالملغاشي في الاقتصاد والعلاقات الدولية كلاوديو رابنغا، أن الموقف الصيني ينسجم مع تطلع الدول الافريقية الى تجاوز التعامل مع القارة باعتبارها ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، والتحول الى طرف مستقل في تحديد مستقبلها. أما رئيس الوزراء السابق لغينيا بيساو، انطونيو ارتور سانها، فشدد على الصلة بين السلام والظروف المعيشية، قائلا:" إن السلام يبدأ في التلاشي عندما تنقص وسائل العيش."
وتبرز أهمية هذه المواقف في تاكيدها أن إستدامة السلام في افريقيا ترتبط بقدرة الدول الافريقية على امتلاك زمام المبادرة في إدارة ازمتها، والحد من تاثير التنافس الدولي على مسارات التسوية، ومعالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي النزاعات. كما تتيح أرضية مشتركة لتوسيع التعاون الصيني العربي الافريقي في مجالات الوساطة وتسوية النزاعات، ومكافحة الارهاب والجريمة العابرة للحدود، وتعزيز الأمن الغذائي وتطوير البنية التحتية، ودعم الاعمار.
غير أن الإنتقال من التوافق السياسي الى النتائج العملية يتطلب تنسيقاً مؤسسياً يترجم المبادئ المشتركة إلى برامج وآليات تنفيذ واضحة، تبدأ بتحديد الأولويات وتوزيع الأدوار، ولا تنتهي عند توفي الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والفني. وفي هذا الاطار، يمكن للصين، بحكم اتساع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الدول الافريقية، ان تؤدي دوراً داعماً لجهود التسوية من خلال تيسير الحوار وتوفير الخبرات والموارد اللازمة، بالتنسيق مع الاتحاد الافريقي والامم المتحدة والمنظمات الاقليمية المعنية.
وتظل فاعلية هذا الدور مرهون باحترام خصوصية النزاعات والسياقات السياسية والاجتماعية لكل دولة، وضمان أن تنبع الحلول من أولويات الاطراف المعنية، من دون الانتقاص من سيادتها أو استقلالية قرارها. كما يستلزم تعزيز التعاون ربط المشروعات التنموية بأهداف الاستقرار، وتكريس الشفافية والمنفعة المتبادلة، وتقييم أثر المبادرات بصورة دورية، بما يضمن توجيه ثمار التنمية نحو تحسين الخدمات الاساسية، وتوسيع فرص العمل، والحد من التهميش. ويقتضي ذلك اشراك المؤسسات الافريقية والمجتمعات المحلية في مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم، لضمان استجابة المبادرات للاحتجاجات الفعلية للسكان وتعزيز قدرتهم على المشاركة في بناء مستقبلهم.
كما تتمثل الدلالة الاستراتيجية للمبادئ الأربعة في التأكيد على أن تسوية النزاعات الأفريقية ينبغي أن تنطلق من قيادة أفريقية فاعلة، تستند إلى احترام القانون الدولي، وتغليب الحلول السياسية، والربط بين الأمن والتنمية. ولا يقتصر الدور الأفريقي المنشود على المشاركة في جهود الوساطة الاستفادة من الدعم الخارجي، بل يمتد إلى تحديد الاولويات، وصياغة الحلول، وقيادة مسارات التسوية، والاشراف على تنفيذها. وفي المقابل، يتمثل دور الشركاء الدوليين في توفير الدعم الدبلوماسي والفني والاقتصادي الذي يعزز هذه الجهود، من دون أن يحل محل المبادرة الافريقية.
وبذلك، فإن المعيار الاساسي لفاعلية هذا الاطار هو مدى قدرة الدول الافريقية ومؤسساتها القارية والاقليمية على تحويل التوافق السياسي الى حلول عملية تعالج اسباب النزاعات، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحسن الظروف المعيشية، وتوسع فرص التنمية أمام الأجيال الشابة. فكلما ترسخت ملكية الافارقة لحلول ازماتهم، وتعززت قدرتهم على ادارة مواردهم وتحديد مسارات التنمية، ازدادت فرص بناء سلام مستدام يتيح للقارة توجيه طاقتها نحو تحقيق تطلعات شعوبها.


محطة قطار على شكل قلب تثير الإعجاب على مواقع التواصل الصينية
تجربة جديدة للسياح الأجانب في الصين: اكتشاف عالم مراكز الاستحمام والاسترخاء
شابوتو تستقبل موسم جني التفّاح
التجربة الصينية في الحد من الفقر: فوق قمم قولوه الثلجية..الكتب تشقّ دروب المعرفة
روبوت رباعي الأرجل يرصد "زهرة العالم السفلي" في جبال آيلاو
القرويون في قويتشو يتألقون بأزيائهم فوق منصات الموضة
حفلات الزفاف في الوجهات السياحية تحقق إيرادات تفوق المليار يوان لمدينة ليجيانغ
المنازل الصينية الجاهزة تجد اقبالا واسعا في الأسواق العالمية