الصفحة الرئيسية >> الصين

علماء صينيون يطورون مجهرا ميزوسكوبيا لاسلكيا وزنه غرام واحد للرصد العصبي الدقيق

/مصدر: شينخوا/   2026:10:22.15:53

بكين 22 أكتوبر 2026 (شينخوا) طور علماء صينيون مجهرا ميزوسكوبيا لاسلكيا يزن غراما واحدا فقط، يمكنه رصد النشاط العصبي في قشرة دماغ الفأر بدقة تصل إلى مستوى الخلية الواحدة في البيئات الطبيعية.

وأُطلق على الجهاز اسم "إيرسكوب" (Airscope)، وطوره فريق بقيادة داي تشيونغ هاي، عضو الأكاديمية الصينية للهندسة وأستاذ في جامعة تسينغهوا، بالتعاون مع باحثين من مؤسسات أخرى. ونُشرت تفاصيل هذا الإنجاز في مجلة "نيتشر" يوم الاثنين الماضي.

وقال داي إن المجهر الميزوسكوبي اللاسلكي يوفر أداة جديدة لفهم الأساس العصبي للذكاء وسيدفع واجهات الدماغ والحاسوب الضوئية نحو كشف أدق للنشاط العصبي. وأضاف أن تطبيقاته المستقبلية قد تتوسع لتشمل مجالات أخرى مثل المناعة وعلم الأورام، بما يتيح تتبع العمليات المرضية بصورة كاملة.

-- مأزق الأساليب التقليدية

يُعد فهم كيفية تحكم الدماغ في السلوك داخل البيئات الطبيعية المعقدة أحد أبرز الأسئلة الأساسية في علم الأعصاب، لما له من أهمية في تفسير الذكاء وتطوير واجهات الدماغ والحاسوب. غير أن هذا النوع من الأبحاث ظل يواجه تحديا يتمثل في صعوبة الجمع بين رصد النشاط العصبي بدقة عالية لدى الحيوانات التي تتحرك بحرية، وتقليل وزن المجاهر المستخدمة في التصوير.

ولدراسة كيفية تحكم الدماغ في السلوك داخل البيئات الطبيعية، من الضروري تسجيل أعداد كبيرة من الخلايا العصبية عبر مناطق واسعة من الدماغ بدقة خلية واحدة في نفس الوقت، بينما يمكن للحيوانات التحرك والتفاعل اجتماعيا.

وعلى الرغم من قدرة المجاهر التقليدية التي ترصد الخلايا العصبية الفردية على تصوير مساحات واسعة من القشرة الدماغية بوضوح، فإن استخدامها يتطلب عادة تثبيت رأس الفأر تحت الجهاز أو ربطه بأسلاك توصيل، ما يحد من حرية حركته ويصعّب دراسة النشاط العصبي والسلوك في الظروف الطبيعية.

وفي الوقت نفسه، تتيح المجاهر المثبتة على الرأس للفئران التحرك بحرية، لكنها عادة ما توفر مجال رؤية يقل عن مليمتر واحد، فلا تستطيع رصد سوى مساحة محدودة من الدماغ. أما توسيع مجال الرؤية وتحسين دقة التصوير، فيتطلبان زيادة حجم المجهر ووزنه واستهلاكه للطاقة.

ومن شأن تجاوز هذه القيود أن يتيح للباحثين مراقبة كيفية تفاعل آلاف الخلايا العصبية معا للتحكم في السلوك في بيئات أقرب إلى الحياة الواقعية، ويفتح آفاقا جديدة لفهم الأساس العصبي للذكاء، فضلا عن توفير أداة جديدة لقراءة الإشارات العصبية على نطاق واسع في واجهات الدماغ والحاسوب الضوئية.

-- مجهر بوزن غرام واحد

بفضل تصميمه المتكامل والتحسينات المنهجية التي أدخلها الباحثون عليه، يزن جهاز "إيرسكوب" غراما واحدا فقط ويمكنه تحقيق دقة على مستوى الخلية الواحدة تصل إلى حوالي 4 إلى 6 ميكرومترات ضمن مجال رؤية يبلغ 6 ملم.

ويمكن تثبيت الجهاز مباشرة على رأس الفأر، إذ يستخدم مستشعرا للصور بدقة 2 ميجابكسل، ويعالج الصور ويضغطها داخل الجهاز نفسه، مما يتيح نقلها لاسلكيا بدقة تصل إلى ميغابكسل.

وأظهرت التجارب أن الفئران التي ارتدت "إيرسكوب" استطاعت تسلق الحبال والمرور عبر الأنابيب دون اختلاف كبير في مسافة الحركة أو السرعة أو تعرج المسار، مقارنة بالفئران التي لم ترتد الجهاز.

كما أظهرت التسجيلات أن جودة الإشارات العصبية التي التقطها "إيرسكوب" تضاهي تلك التي توفرها المجاهر التقليدية المثبتة على الطاولات. وبدمجه مع خوارزمية لاستخراج بيانات الخلايا العصبية طورها الفريق في وقت سابق، تمكن الجهاز من تسجيل نشاط أكثر من 8500 خلية عصبية في وقت واحد، موزعة على 14 منطقة قشرية في أحد نصفي الكرة المخية لفأر واحد، أي ما يعادل نحو 25 ضعفا لما تتيحه أجهزة التصوير اللاسلكية الحالية. كذلك، يستطيع الجهاز تسجيل النشاط العصبي في الموقع نفسه على مدى أكثر من 200 يوم.

-- تطبيقات متنوعة لرصد النشاط العصبي

أتاح الجهاز القابل للارتداء للفريق البحثي دراسة الفئران خلال أنماط متعددة من الاستكشاف الحر والمعقد في ظروف طبيعية، وإجراء تجارب كان تنفيذها صعبا في السابق بسبب أسلاك التوصيل أو وزن معدات التصوير.

وشملت هذه التجارب تسجيل النشاط القشري في عدة فئران في نفس الوقت أثناء استكشافها لمساحة طبيعية تبلغ مساحتها 5 أمتار مربعة، فضلا عن تتبع الفئران لفترات طويلة خلال استكشافها الذاتي لمتاهة كبيرة تضم 32 نهاية.

ونظرا إلى أن الأقفاص المختبرية التقليدية تحد من قدرة الفئران على ممارسة سلوكياتها الطبيعية، مثل الحفر والاستكشاف لمسافات طويلة والتفاعل الاجتماعي المعقد، أنشأ الفريق موئلا للفئران يمتد على مساحة 5 أمتار مربعة، يضم ملاجئ ومنحدرات وثقوبا في الأشجار وأكواخا خشبية وتضاريس متنوعة.

وفي هذه البيئة، تحركت الفئران بسرعة تزيد عن ضعف سرعتها في الأقفاص وأظهرت 16 نوعا من السلوكيات، شملت التسلق وصعود الدرج ونزوله ودخول الثقوب والتنقل بين تضاريس مختلفة.

ووجدت الدراسة أن نشاط القشرة الدماغية تغير بشكل منتظم تبعا للموقع الذي يوجد فيه الفأر. كما تمكن نموذج للتعلم العميق، اعتمادا على بيانات النشاط القشري وحدها، من تحديد موقع الفأر بدقة تفوق بكثير ما يمكن تحقيقه بالتخمين العشوائي.

وقال تشانغ يوان لونغ، أستاذ مشارك في كلية علوم الحياة بجامعة تسينغهوا، إن "إيرسكوب" يمنح الحيوانات حرية أكبر في الحركة خلال أبحاث علم الأعصاب، ويتيح رصد نشاطها العصبي على نطاق واسع أثناء ممارستها سلوكيات طبيعية أكثر تنوعا، الأمر الذي يساعد على تعميق دراسة الإدراك الدماغي وأمراض الدماغ.

صور ساخنة