مقدمة:
تقف الصين اليوم أمام سؤال يختلف عن السؤال الذي رافق صعودها. فلم يعد التحدي كيف يبدأ النمو، بل كيف يستمر حين تتغير الشروط التي صنعته. ومع ذلك، كثيرا ما يختزل النقاش حول الصين، عربيا وعالميا، في صورتين: معجزة بلا تفسير، أو خطر بلا قياس. وبينهما تضيع الأسئلة الأهم: من يقرر؟ من يمول؟ كيف تخصص الموارد؟ كيف تتشكل الحوافز؟ وأين تنتهي الدولة ويبدأ السوق؟
من هنا جاءت فكرة هذه المقالات التي يتم تحضيرها من عابد علي الشريف، نائب مدير مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في جامعة بكين: دراسة تجربة الصين لاستخدامها مدخلا لفهم التنمية نفسها؛ من خلال مؤسساتها وحوافزها وحدودها، وكيف بنت قدرتها، وكيف استخدمت مواردها، وما الذي أسهم في نجاحها، وما الذي ينبغي التحسين.
فهذه الأسئلة لا تخص الصين وحدها، بل تتصل بسؤال أوسع يهم العالم، والعالم العربي على وجه الخصوص: ماذا تكشف التجربة الصينية عن العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الاستثمار والإنتاجية، وبين تعبئة الموارد وكفاءة استخدامها؟ هذه السلسلة لا تسأل: هل نستطيع أن نصبح مثل الصين؟ بل تسأل سؤالا أعمق: ماذا يمكن أن نفهم عن التنمية من خلال التجربة الصينية؟
المقال الأول: الصين لم تبدأ من الصفر
المقال الثاني: ليلة في قرية لا يعرف اسمها أحد
المقال الثالث: الدولة لم توافق… ولم تمنع
السوق الذي نما داخل الخطة
في 1978 لم تقل الصين سنصبح اقتصاد سوق، وفي 1984 لم تكن قد ألغت الاقتصاد المخطط، وفي 1992 لم تكن قد خصخصت شركاتها الحكومية الكبرى. ومع ذلك كان اقتصاد جديد موجودا بالفعل في أسرة زراعية تتخذ قرار الإنتاج بنفسها، وفي مؤسسة ريفية تبحث عن مشتر، وفي مصنع حكومي يبيع ما يزيد على التزاماته بسعر السوق، وفي مدينة تجذب الاستثمار، وفي مدير بدأت كلمات السعر والتكلفة والربح تغير نظره إلى المصنع.
فلم يحل السوق محل الخطة في لحظة، بل نمت بجانبه، ثم داخله، ثم صارت أكبر منه في أجزاء متزايدة من الاقتصاد. والحدود بينهما تحركت أولا في القرار اليومي وفي المؤسسات، ثم تقلصت الحواجز الرسمية بعد ذلك لا قبله. وكان نظام المسارين السعريين أداة إدارة هذا التعايش.
ولتبسيط الفكرة، مصنع تلزمه الخطة بتسليم مئة طن بسعر تحدده الدولة، يستطيع بعد الإصلاح أن يبيع عشرين طنا إضافيا بسعر السوق، فتبقى للخطة حصتها، ويجد الإنتاج الإضافي حافزا. وتصبح للسلعة الواحدة قناتان، إحداهما تحكمها الالتزامات الإدارية، والأخرى تستجيب للعرض والطلب. وتظهر الدلالة السياسية لهذا الترتيب في الطريقة التي وزع بها مكاسب الانتقال وتكاليفه، فالجمع بين الحفاظ على جانب من المكتسبات القائمة وفتح فرص اقتصادية واستثمارية جديدة ساعد على توسيع قاعدة المستفيدين من الإصلاح، وجعل الانتقال أكثر قابلية للتدرج والاستمرار. فإن الجمع بين إنفاذ التزامات الخطة وتحرير المسار السوقي يستطيع- بشروط محددة- تحقيق الكفاءة مع حماية المستفيدين من الترتيبات السابقة؛ فالمسألة تتصل بمن يحتفظ بضماناته أثناء الانتقال، وبمن يسمح له بتوسيع إنتاجه ودخله. منح هذا المسار الانتقالي مرونة زمنية استغلت في مواءمة الأوضاع وتخفيف الصدمات حيث وفرت وقتا تتعلم فيه المنشآت حساب التكلفة، ويختبر فيه المنتجون الطلب، وتكتشف فيه الإدارة نتائج القواعد الجديدة. فالتحول يحتاج معرفة تتكون بالممارسة، ويتيح التجريب. غير أن وجود سعرين للسلعة نفسها أبقى منافذ للامتياز أيضا، فإذا كان الطن يشترى ضمن الحصة بمئة يوان ويباع في السوق بمئتين، نشأت فرصة لريع من الوصول إلى الحصة؛ ويبدأ السعي إلى الريع حين توجه الموارد والعلاقات والنفوذ إلى انتزاع هذا الامتياز. عندئذ يصبح القرب من جهاز التخصيص مصدرا للربح، وقد تنصرف طاقات كانت تصلح لتحسين الإنتاج إلى التنافس على القرار الإداري. وهذا أحد وجوه التناقض في المؤسسات الانتقالية فالقاعدة التي تفتح مجالا للنمو قد تفتح مجالا لاستثمار النفوذ. وفي نهاية الثمانينيات ظهرت تحديات طبيعية رافقت اتساع عملية الإصلاح. ففي عام 1988 بلغ تضخم أسعار المستهلكين نحو 18.8%، نتيجة تفاعل عدة عوامل، من بينها توسع الائتمان وقوة الطلب وتغير التوقعات مع الحديث عن إصلاحات أوسع للأسعار. وقد أبرزت تلك المرحلة أهمية أن يسير تحرير الأسعار بالتوازي مع إدارة متوازنة للائتمان والإنفاق والتوقعات. فكلما اتسعت مساحة السوق، ازدادت الحاجة إلى أدوات أكثر دقة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتوجيه عملية الانتقال بصورة تدريجية ومنظمة.
. اعادت هذه التحولات صياغة دور الدولة داخليا، حيث اتسمت بعض المؤسسات الريفية الناشطة في السوق بملكيتها الجماعية وإدارتها المباشرة من السلطات المحلية ، وقد زادت الإصلاحات المالية حوافزها إلى تنمية الصناعة وتوسيع الإيرادات، فصارت الإدارة المحلية طرفا فاعلا في الاستثمار. فاتساع التنسيق عبر السوق أمكن أن يترافق مع ازدياد الدور الاقتصادي للحكومات المحلية؛ ومن هنا مسألة جوهرية وهي كيفية ربط مصالح أصحاب القرار بتوسيع الإنتاج، وكيف تضبط السلطة التي يمنحهم إياها هذا الدور؟

ولروح تلك المرحلة صورة تمثلت في لوحة إلى جانب الطريق في شيكو (Shékǒu) بمدينة شنتشن (Shēnzhèn)، كتب عليها الوقت هو المال، والكفاءة هي الحياة. وتروي محفوظات شنتشن (Shēnzhèn)أن وفدا من شركة سانيو اليابانية أنجز في 1983 إجراءات إقامة مصنع في المنطقة خلال ثلاثة أيام، وبدأ الإنتاج بعد نحو شهر ونصف. فصار التأخير تكلفة، وأصبحت سرعة الإنجاز ميزة تنافسية للمكان.
ثم جاءت الجولة الجنوبية دنغ شياو بينغ (Dèng Xiǎopíng) بين 18 يناير و21 فبراير 1992، وكان في عامه الثامن والثمانين؛ شملت ووتشانغ (Wǔchang) وشنتشن (Shēnzhèn) وجوهاي(Zhūhǎi) وشنغهاي (Shànghǎi)، وقد أعاد ذلك الزخم إلى مسار الإصلاح بعد سنوات اتسمت بقدر أكبر من التريث والحذر، ورسخ وضوحا سياسيا كان مهما لاستمرار التجارب التنموية واتساعها؛ إذ تتأثر القرارات الإنتاجية والاستثمارية على مستوى المصانع بمدى وضوح التوجهات العامة واستقرارها وإمكان توقعها.
ومن هنا فإن معنى التدرج هو أن يبنى الإصلاح مع تراكم المعرفة، وأن تبقى مؤسساته قابلة للمراجعة. فالتدرج لم يكن نقصا في التصميم، بل كان جزءا من منهجه؛ إذ أتاح للإصلاح أن يتقدم مع تراكم الخبرة وتقييم النتائج. لكنه لم يكن خاليا من التحديات، فقد منح الاقتصاد وقتا للتكيف، وفي المقابل أبقى بعض الفوارق والتشوهات قائمة لفترات أطول. وقد تشكل المسار الصيني عبر التجريب والتعديل والتسويات المرحلية، بما يعكس قدرة على التعلم من الواقع؛ فالترابط الذي يبدو واضحا عند النظر إلى التجربة بأثر رجعي لا يعني أنها كانت تنفيذا لخطة مكتملة التفاصيل منذ البداية.
وتظل قيمته مرهونة بما يفعل بالوقت الذي يتيحه، وهل يوسع القدرة على الإنتاج والتعلم، أم يسمح للامتيازات بأن تستقر وتدافع عن بقائها؟ فكل ترتيب انتقالي يحمل سؤال مراجعته في داخله؛ ومع اتساع السوق تزداد الحاجة إلى تقليص الفوارق السعرية المصطنعة، وفتح فرص الدخول، ومراجعة الدعم والائتمان المفضل، وبناء مؤسسات تستطيع تنسيق اقتصاد أكثر تنوعا، كما أظهرته مراجعات إصلاح الأسعار في الصين.
فبعد أن صار في الصين سوق وخطة ومقاطعات ومصانع، لكل منها حوافزه ومصالحه وإيقاعه…في المقال القادم نبحر حول من يدير كل ذلك؟


فنان صيني يقضي شهرين في صنع تمثال "ملك القردة" بأعواد الحطب
بالصور: استكشاف السحر الثقافي في شنتشن
صيني يسجل رقما قياسيا في قيادة الدرّاجات على الأسطح المائية
محطة قطار على شكل قلب تثير الإعجاب على مواقع التواصل الصينية
تجربة جديدة للسياح الأجانب في الصين: اكتشاف عالم مراكز الاستحمام والاسترخاء
شابوتو تستقبل موسم جني التفّاح
التجربة الصينية في الحد من الفقر: فوق قمم قولوه الثلجية..الكتب تشقّ دروب المعرفة
روبوت رباعي الأرجل يرصد "زهرة العالم السفلي" في جبال آيلاو