بكين 29 أغسطس 2025 (شينخوا) باستخدام شاي طازج يُجلب مباشرة من مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين ممزوج بحليب محلي غني من القاهرة، ومُحلَّى بالسكر الأسود والشوكولاتة، يتم إعداد مشروب شاي صيني حديث يتميز بنكهات حلوة ومنعشة. من حارات القاهرة القديمة إلى مراكز التسوق الفاخرة في الرياض، لم يعد شاي الفقاعات مجرد مشروب يثير فضول الذواقين، بل أصبح أيضا رسالة ثقافية صينية حديثة تجسد روح الانفتاح والتطور والأناقة.
-- شاي الشرق الحديث: موضة تعيد رسم المشهد
وكتبت إحدى مستخدمات الانترنت من مصر على حسابها في إحدى منصات التواصل الاجتماعي تعليقا لخصت فيه تجربتها الأولى مع "الشاي الصيني الحديث" - وهو مشروب لم تكن تعرفه سابقا إلا من خلال أكواب الشاي الأحمر التقليدية، قائلة إن "شاي الياسمين ينعش الأنفاس برائحة زهور نضرة، بينما يخبئ شاي الأولونغ في نكهته ذكريات دافئة".
ويُعرف هذا المشروب حول العالم بأسماء متعددة: "الشاي بالحليب" أو"شاي الفقاعات" أو "شاي البوبا"، لكن جوهره واحد: مزيج متناغم من الشاي الطازج والحليب الكريمي، مضافا إليه "الفقاعات" الصغيرة المصنوعة عادة من نشا التابيوكا أو هلام الفاكهة الطازج، لتمنحه قواما ناعما ومتعة خاصة أثناء الشرب.
واليوم، أصبح هذا المشروب بديلا شائعا للمشروبات الغازية والصودا في وجبات الطعام السريعة، بفضل مذاقة المنعش وتنوع نكهاته. وتشير دراسة حديثة إلى أن قيمة صناعة شاي الفقاعات العالمية بلغت ما بين 2.4 و3.6 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات باستمرار نموها السريع خلال العقد المقبل، ما يجعلها واحدة من أسرع الصناعات توسعا في العالم، وفقا لشبكة (سي إن إن) الأمريكية.
وعلى نطاق أوسع، تجاوزت قيمة سوق المشروبات الصينية الحديثة، التي تشمل أيضا أنواعا مختلفة من الشاي بالفواكه وغيرها من المشروبات المبتكرة، 350 مليار يوان (حوالي 48.5 مليار دولار) في 2024، بزيادة 6.4 في المائة على أساس سنوي. ومن المتوقع أن تصل إلى 374.93 مليار يوان بحلول نهاية 2025، وفق بيانات شركة "آي ميديا" الصينية للأبحاث والاستشارات.
-- من الصين إلى الشرق الأوسط: رحلة تعيد تعريف "الشهرة"
منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تسارعت وتيرة توسع العلامات التجارية الصينية المتخصصة في مشروبات الشاي الحديثة في الأسواق العالمية، ليصل عدد فروعها إلى أكثر من 5 آلاف فرع بنهاية عام 2024، مع زيادة ملحوظة في النصف الأول من العام الجاري، وفقا لمقال نشرته مؤخرا صحيفة (ديلي إيكونوميك نيوز) الصينية.
وكانت البداية بالتركيز على أسواق جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، لكنها سرعان ما وصلت إلى مدن عالمية كبرى مثل لندن وسيدني ونيويورك حيث ازدهرت متاجرها وسط حشود المُحبين. وفي أغسطس الجاري، أضافت إحدى سلاسل مقاهي الشاي الصينية لمسة جديدة لهذه الرحلة بافتتاح فرع بجوار المقر الرئيسي لشركة أبل في الولايات المتحدة، مما جذب طوابير طويلة من الزبائن، وأعاد الحديث عن هذه الظاهرة إلى الواجهة.
وفي السنوات الثلاثة الأخيرة، وصلت هذه المشروبات إلى الشرق الأوسط، حيث يوجد الآن أكثر من 20 فرعا في القاهرة وحدها، إلى جانب انتشارها في مراكز التسوق الفاخرة بالرياض ودبي، وفي أحياء حيوية بالأماكن السياحية بمدينة الدار البيضاء، وصولا إلى شوارع العراق والأردن النابضة بالحياة.
ولا يخفى أن الإقبال على هذه المشروبات في الشرق الأوسط رافقه حماسة لافتة، خاصة بين محبي الحلويات. فشاي البوبا بالسكر الأسود وعصير البوبا بالمانجو كانا من بين الخيارات الأولى للكثيرين، في حين يميل غالبية الشباب إلى إضافة فواكه طازجة أو قطع من البسكويت والمكسرات لصنع نكهات فريدة. كما يبتكر بعض الزبائن في تحضير وصفة "الكولا بوبا" في المنزل، لتصبح "متعة شبابية" في الحفلات، فيما حولها آخرون إلى روتين يومي، بل ويقدمون اقتراحاتهم لتحسين النكهات وكأنهم شركاء في هذه المشاريع.
-- أكثر من مجرد شاي: قصة ثقافة وارتباط
توضح شعبية مشروبات الشاي الحديثة تطلعات جيل جديد من المستهلكين، خاصة الشباب الذين يبحثون عن خيارات عصرية أنيقة تعبر عن ذوقهم ورغبتهم في الانطلاق، هكذا قال تشن فو تشياو، الباحث المشارك في الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية.
ولا يقتصر دور هذه المقاهي الحديثة على كونها أماكن لبيع المشروبات فحسب، بل أصبحت أيضا فضاءات اجتماعية دافئة للشباب. ففي الرياض، تنظم بعض مقاهي الشاي الصينية فعاليات ترفيهية مرتبطة بالألعاب الشهيرة وصناديق المفاجآت والأنشطة التفاعلية، إلى جانب توفير مساحات مجانية لممارسة الألعاب اللوحية. وفي القاهرة، تحولت مقاهي شاي البوبا الصيني إلى ملتقى يجتمع فيه الأصدقاء لشرب الشاي والحديث والضحك، حتى أن البعض يصفها بـ"مقاهي العصر الحديث".
وإلى جانب شاي البوبا، حظيت منتجات أخرى مثل الهواتف الذكية والعناصر القابلة للتجميع في صناديق المفاجآت بشعبية كبيرة، مما يسلط الضوء على التنافسية القوية للثقافة والإبداع ذات الطابع الشبابي في الأسواق المفتوحة. لم يعد الأمر مجرد موجة استهلاكية عابرة بل أصبح جزءا من تحول ثقافي أوسع. وسواء من خلال الألعاب المصممة أو سلاسل المطاعم أو التجارب السينمائية كالأفلام المتحركة، تجد الصناعات الإبداعية صدى واسعا لدى الجمهور الصيني والعربي على حد سواء.
وعلى هذا المنوال، تواصل التبادلات الثقافية بين الصين والدول العربية ترسيخ حضورها في المحافل الكبرى. ويأتي معرض الصين والدول العربية في نسخته السابعة، والذي يُعقد بين 28 و31 أغسطس في منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي بشمال غربي الصين ليؤكد أن الحوار بين الحضارات لا يقتصر على جانب دون آخر، بل يمتد لبناء فضاءات مشتركة من الفهم المتبادل والشراكة المتوازنة، ليصبح كل لقاء فرصة لإضافة "نكهة جديدة" إلى مسار التعاون بين الجانبين.