تانغ جينغ تاي، أستاذ في كلية الإعلام بجامعة فودان
يشهد الصراع الحالي في الشرق الأوسط تنسيقًا متعدد الأبعاد بين الفضاء المعرفي، والفضاء الرقمي، وساحة المعركة المادية، بما يعكس سمات نموذجية للحرب الهجينة. وفي ظل هذه الخلفية من الحرب الهجينة، تُظهر معركة الرأي العام العديد من الاتجاهات الجديدة التي تستحق المتابعة والاهتمام.
تتجاوز معركة الرأي العام في الصراع الحالي بالشرق الأوسط مجرد محاولة إقناع الناس، لتتجه نحو "زرع الشك" بشكل أعمق، محاولة تحقيق تلوث منهجي في البيئة المعرفية. إذ تنتشر كميات هائلة من المحتوى المرتبط بالصراع بسرعة على منصات مثل X، حيث يُعاد تجميع مقاطع الفيديو القديمة، وتُحوّل لقطات من مواقع أخرى، وتُقدّم صور الألعاب على أنها تسجيلات حية للمعارك، كما تُدمج الصور المُنشأة بالذكاء الاصطناعي ضمن سلسلة الانتشار الفوري، لتشكل آلية نشر تعتمد على السيطرة على الانتباه أولاً، ثم انتظار التحقق لاحقًا. وفي هذا الإيقاع، لم يعد أولوية نقل المعلومات تكمن في صحتها، بل في تأثيرها العاطفي، وقدرتها على الانتشار، والقدرة على إثارة الصدمة. ومن ثم، فإن الطرف القادر على إحداث أسرع ضجة إعلامية هو الأوفر حظاً في تحقيق ميزة معرفية، وذلك قبل أن يتسنى تثبيت الحقائق والتحقق منها.
والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذا النوع من "التلوث المعلوماتي" لا يتم من خلال عمليات الدعاية الكاذبة فحسب، بل يتعزز بالتوازي مع آليات المنصات نفسها. فالخوارزميات الموصية تميل بطبيعتها إلى تفضيل المحتوى العاطفي، والمثير للجدل، والعالي النقرات، فيما تشجع الحوافز المتعلقة بالتدفق المستمر للزيارات على المبالغة في التعبير والتزييف البصري. كما أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي قلل بشكل كبير من عتبة إنتاج محتوى حرب يبدو حقيقيًا. وما يستحق الانتباه بشكل خاص هو أن ميزة التحقق بالذكاء الاصطناعي المدمجة في بعض المنصات أُبلغ عن حدوث أخطاء متكررة فيها، مما يشير إلى أن معركة الرأي العام الحالية تعتمد بشكل نشط على استغلال البنية التقنية للمنصات، وآليات توزيع الانتباه، وقدرات التزييف منخفضة التكلفة، لتضخيم الضوضاء والفوضى وعدم اليقين في كامل الفضاء المعرفي. وبالتالي، لم تعد المنصات مجرد قنوات لتداول المعلومات، بل أصبحت في الواقع مضخمًا لـ"التلوث المعرفي".
ويتمثل أحد التحولات البارزة في معركة الرأي العام خلال هذا الصراع في أن المنافسة السردية أظهرت خصائص واضحة من الانتشار العالمي والتشابك بين القضايا المختلفة، حيث تم إدراج الصراع العسكري المحلي بسرعة ضمن إطار أوسع للعبة الاستراتيجية الكبرى. ولم تعد الأطراف المشاركة في تشكيل السرد مقتصرة على طرفي النزاع فحسب، بل يشارك فيها بعض مجموعات الهاكرز، وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي ذات الطابع العابر للحدود، ووسائل الإعلام التابعة لدول كبرى تتدخل لأسباب استراتيجية، بحيث ينخرطون جميعًا في وقت قصير جدًا في الهجوم والدفاع المعلوماتي، لتتكون بذلك شبكة نشر تشارك فيها الدول، والجهات الوكيلة، والمجتمعات الرقمية. وبناءً عليه، تكفّ الصواريخ، والضربات الجوية، وعمليات الاعتراض التي تجري في ساحة المعركة عن كونها مجرد مناورات عسكرية مادية، إذ تتحول في آنٍ واحد إلى رموز سياسية، وأخلاقية، وجيوسياسية ضمن الساحة العالمية للرأي العام. وتُفضي هذه العملية إلى إثارة حالة واسعة النطاق من الاستقطاب، والتضخيم العاطفي، والمواءمة الإدراكية، لتتضافر جميعها مشكّلةً هجوماً معلوماتياً يبدو، وإن كان مجزأً في ظاهره، فإنه يعمل بفعالية على دفع مجموعة من الأهداف السياسية المتقاربة قُدماً.
كما يشير هذا التحول إلى أن معركة كسب الرأي العام باتت تشبه، على نحوٍ متزايد، شبكة اتصالات لامركزية تتشكل بصورة جماعية من قِبَل الدول، والجهات الوكيلة، ومجتمعات المنصات الرقمية. إذ لم تعد الدول بحاجة إلى السيطرة المباشرة على كل عقدة من عقد هذه الشبكة، فما دامت توفر الأطر الموضوعية، والمؤشرات العاطفية، والسرديات التي تميز بين الصديق والعدو، فإن حشداً هائلاً من الناشرين الهامشيين سيتدخلون تلقائياً لتعزيز تلك الرسالة وتضخيمها. ونتيجة لذلك، ينخفض عتبة إطلاق الحملات المعلوماتية، وتتسارع وتيرة انتشارها، ويصبح تحديد مصادرها الأصلية أمراً أكثر صعوبة بكثير.
وتجدر الاشارة إلى أن هذا التنافس بين السرديات قد تجاوز حدود القضايا الأمنية التقليدية، ليصبح متشابكاً بشكل لا ينفصم مع مسائل حيوية مثل الطاقة، والشحن البحري، والتمويل، وسلاسل التوريد العالمية، مما يولد صدىً عابراً للقطاعات يتردد صداه في شتى المجالات، فقضايا مثل تقلبات أسعار النفط، واحتمالية فرض حصار على مضيق هرمز، وتصاعد مخاطر امتداد الصراعات الإقليمية، سرعان ما تتضخم وتنتشر عبر قنوات التواصل الاجتماعي، لتستقر في الوعي الجمعي، وتشكل توقعات الأسواق على نحوٍ يكتنفه طابع من الذعر. ونتيجة لذلك، لم تعد معركة الرأي العام مجرد صراع جدلي حول من هو محق ومن هو مخطئ، بل تطورت من خلال تشكيل التصورات حول المخاطر، وتقويض ثقة الأسواق، والتأثير في التوقعات المتعلقة بتدفقات رأس المال الدولي وحركة التجارة لتغدو وسيلةً لممارسة شكلٍ شديد اللاتناظر من القيود الاستراتيجية ضد الطرف الذي يمتلك التفوق العسكري. وتتمثل المحصلة النهائية في أن الهجمات والدفاعات القائمة على السرديات التي كانت في الأصل محصورة في مسارح الصراع المحلية باتت الآن قادرة على الانتقال مباشرةً عبر شبكات المعلومات لتؤثر في الشرايين الاقتصادية للعالم الواقعي، مما يوسع نطاق الحرب المعلوماتية ليتجاوز الحيز المعرفي، ويتحول إلى متغيرٍ حاسمٍ يؤثر في آليات عمل النظام العالمي ذاتها.
ومن بين التحولات البارزة الأخرى في معركة الرأي العام خلال هذا الصراع هو التمييز الدقيق بين الجماهير، مما ينتج عنه نمط مميز من الرسائل متعددة الطبقات والموجهة بدقة. ويشير هذا إلى أن الحرب المعلوماتية الحديثة باتت أشبه بعملية دقيقة التوجيه، حيث يقوم المتواصلون بتصميم المعلومات بدقة متناهية وتقديمها بعناية فائقة، استنادًا إلى لغة جمهورهم المستهدف، وعادات استخدامهم للمنصات، وانتماءاتهم، وحتى سياقاتهم السياسية المحددة. ونتيجة لذلك، فإن النتيجة النهائية لهذه الحرب المعلوماتية تعتمد بشكل متزايد على من يستطيع اختراق دفاعات الخصم المعرفية بدقة أكبر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سلامته النفسية.
وفي عصر الإتصال الجماهيري، دأبت النقطة المحورية للحرب المعلوماتية أو ما يُعرف بالمعركة من أجل كسب الرأي العام، على التركيز تقليدياً على إقناع الجماهير المستهدفة بتبني مواقف سياسية محددة أو أحكام قيمية معينة، وذلك من خلال تقديم حقائق دامغة، أو حجج قوية، أو سرديات عاطفية مؤثرة. ففي جوهرها، كانت تلك الحرب عبارة عن منافسة في الإقناع تدور حول مفاهيم الصواب والخطأ، والحقيقة والزيف. غير أنه، وفي خضم الاتجاهات الجديدة الناشئة عن الصراع الأخير في منطقة الشرق الأوسط، تحوّل التركيز الاستراتيجي للحرب المعلوماتية تحولاً دقيقاً ونوعياً نحو البنية التحتية للإدراك البشري ذاته. فمن خلال المزج الكثيف بين المعلومات الحقيقية والمُلفّقة، وتنفيذ حملات رسائل عابرة للغات ومُستهدفة بدقة متناهية، والاستفادة من تأثيرات التضخيم الخوارزمية التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مُصطنع على نطاق واسع، يسعى أطراف الصراع جاهدين لإغراق الجماهير داخل المجتمعات المستهدفة في حالة دائمة من عدم اليقين. وفي خضم هذه الفوضى الوقائعية العارمة وهذا الإرهاق المعرفي المستشري، تنبثق تحديداً مساحات جديدة لممارسة النفوذ والسلطة. فكل من ينجح في أن يكون السبّاق إلى تقديم إطار تفسيري يبدو متماسكاً ومنطقياً وسط هذه الفوضى، وكل من يستطيع توفير منفذ عاطفي للتنفيس الوجداني، وكل من يملك القدرة على تحديد "من هو العدو، ومن هو الصديق، ومن هو الطرف المُلام" بأكثر الأساليب إيجازاً وتأثيراً، سيتمكن لا محالة من حصد ميزة مطلقة داخل الفراغ السلطوي الذي يكتنف الفضاء المعرفي. وعليه، فإن الحرب المعلوماتية التي تتكشف فصولها حالياً في منطقة الشرق الأوسط لا تقتصر على كونها مجرد جدل حول الحقيقة، بل هي صراع استراتيجي عميق يدور حول من يمتلك السلطة لتعريف الحقيقة وتشكيلها، ومن يمتلك القدرة على تثبيت الاستقرار أو زعزعته في الوعي والإدراك الجمعي للجمهور. ولعل هذا التحول يمثل الاتجاه التطوري الأبرز والأكثر جدارة بالملاحظة في سياق الحرب المعلوماتية ضمن إطار الحروب الهجينة المعاصرة.


مسؤول يحوّل الذرة الحمراء إلى لوحات فنية للترويج لقريته
الصين تصبح أكبر دولة تستخدم الطائرات المسيرة الزراعية في العالم
شجرة في 5 ثوان، تكنولوجيا صينية تحدث ثورة في تخضير صحراء تاكلاماكان
الروبوتات البشرية تبدأ تحضيراتها لماراثون ييجوانغ 2026 ببكين
ميدان تدريب الروبوتات في تشنغتشو: تحويل "مبتدئين" إلى "عمال مهرة"
الجماليات الشرقية تغمر احتفالات مهرجان الفوانيس في بكين ودونهوانغ ونانجينغ
أكبر بوابة لرسوم الطرق السريعة في الصين تستقبل ذروة رحلات العودة لأسفار عيد الربيع
زهرة 'جياولونغ'.. سلالة جديدة من الورود تكريماً لإسهامات الرفيقة خه جياولونغ
الصين تصدر طوابع الأبراج الصينية لعام الحصان 2026
عيد الربيع 2026: الحصان بين رمزية الشجاعة والعزة في الثقافتين العربية والصينية
السوق الصينية تشهد نموا متسارعا لطب تأجير الروبوتات البشرية
يوتشونغ تُزوّد السوق الصينية بـ14 صنفا من الزهور الصالحة للأكل