الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

تعليق: التحديات العالمية المشتركة يمكن معالجتها في إطار التبادل الحضاري (2)

تعليق: التحديات العالمية المشتركة يمكن معالجتها في إطار التبادل الحضاري
سياح أجانب يزورون متحف مياوديغو في سانمنشيا، مقاطعة خنا". تصوير سون منغ

تتوالى مهرجانات الأفلام ومسابقات الغناء في مشهد نابض بالتنوع، إذ يضفي عام التبادلات الشعبية بين الصين وأفريقيا روحا احتفالية لافتة على هذا الحراك الثقافي. كما باتت احتفالات عيد الربيع تتجاوز حدودها لتتخذ طابعا إنسانيا كونيا. وفي السياق ذاته، شقّ الشاي الصحي وتمارين بادوانجين طريقها إلى قلوب الناس في شتى أنحاء العالم، فيما أطلق الإقبال المتصاعد على "النمط الصيني" موجة متجددة من الانبهار الثقافي.

ومنذ مطلع العام، أسهمت أنشطة التبادل الحضاري في ردم الهوّة بين الشعوب وترسيخ القيم المشتركة، لتُشيع في الفضاء الإنساني مزيدا من الثقة والتقارب والانتماء. ويجلو ذلك كله الزخم المتصاعد لـ"مبادرة الحضارة العالمية"، وهي تمضي بخطى راسخة من عالم الأفكار إلى رحابة التجسيد الفعلي.

وفي 15 مارس 2023، وخلال الحوار رفيع المستوى بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب السياسية في العالم، طرح الرئيس شي جين بينغ "مبادرة الحضارة العالمية". حيث دعت المبادرة إلى احترام تنوع الحضارات، والتمسك بالقيم المشتركة للبشرية، وتعزيز توارث الحضارات والابتكار فيها، إلى جانب دعم التبادلات والتعاون الشعبي الدولي.

وتستمد "مبادرة الحضارة العالمية" جذورها من التربة الثقافية العميقة للحضارة الصينية، بما تحمله من قيم "السعي نحو القواسم المشتركة مع الاحتفاظ بالفروق" والتعايش المتناغم. وهي قيم تتلاقى مع رؤى ثقافية لدى العديد من شعوب العالم، تؤمن بالتنوع والاندماج والتعايش المتبادل.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، نجحت المبادرة في توسيع نطاق التوافق الدولي حول أهمية الحوار الحضاري، كما تحولت تدريجيا إلى ممارسات فعلية للتبادل والتعاون، بما يسهم في تقليص سوء الفهم والانقسامات، وتعزيز التفاهم بين الشعوب، وإضفاء مزيد من الطاقة الإيجابية على الجهود العالمية الرامية لمواجهة التحديات المشتركة.

إن المنظور الحضاري يؤثر بشكل مباشرة في مسار تطور المجتمع البشري، كما ينعكس على السلم والأمن العالميين. ففي عالم اليوم، تتشابك الأزمات والتحديات بصورة متزايدة، ويعود جزء مهم من الصراعات القائمة إلى تمسك بعض الدول بنظريات "صدام الحضارات" و"التفوق الحضاري"، ومحاولة تحويل الاختلافات الثقافية إلى عوامل مواجهة وعداء، الأمر الذي يفاقم أيضا فجوات التنمية واختلالات الحوكمة العالمية.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو البشرية في حاجة متزايدة إلى تجاوز الانقسامات عبر الحوار، وتخطي الصدامات من خلال التعلم المتبادل بين الحضارات. ومن هذا المنطلق، تؤكد "مبادرة الحضارة العالمية" على تنوع الحضارات وضرورة احترام خصوصياتها، والدعوة إلى الانسجام دون فرض النمطية، كما تشدد على القيم المشتركة بين الشعوب، وعلى أهمية الحوار والتعاون والتقارب الإنساني. وتمثل هذه المبادئ مسارا عمليا لتعزيز التبادل الحضاري ودفع تقدم الحضارة الإنسانية.

وانطلاقا من الإقرار بالتنوع الحضاري العالمي، والحاجة الملحة إلى تجاوز الصراعات الحضارية، حظيت "مبادرة الحضارة العالمية" بتقدير متزايد من المجتمع الدولي. إذ أُدرجت في عدد من قرارات الأمم المتحدة والوثائق الثنائية ومتعددة الأطراف. وفي دورتها الثامنة والسبعين، خصصت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 يونيو "يوما دوليا للحوار بين الحضارات"، بما أسهم في ترسيخ الحوار الحضاري ضمن الأطر المؤسسية الدولية.

كما شهد شهر يونيو الماضي إقامة أول فعالية عالمية للاحتفال بهذا اليوم تحت مظلة الأمم المتحدة، فيما استضافت بكين خلال يوليو الماضي "المؤتمر الوزاري للحوار بين الحضارات"، الذي صدر عنه "إعلان بكين" وخطط عمل عملية لتعزيز التبادلات الحضارية.

ومن خلال إنشاء منصات دولية متعددة المستويات، مثل مؤتمر الحوار بين الحضارات الآسيوية، ومنتدى ليانغتشو، والمؤتمر العالمي للدراسات الكلاسيكية، والمؤتمر الوزاري للحوار بين الحضارات، إلى جانب توقيع اتفاقيات تعاون ثقافي وسياحي مع أكثر من مائة دولة، تواصل الصين تعميق التعاون في مجالات التنقيب الأثري المشترك، وصون التراث العالمي، والترجمة المتبادلة للأعمال الكلاسيكية.

ومن خلال هذه الجهود، تعمل الصين مع مختلف الأطراف على حماية الكنوز الثقافية المشتركة للبشرية، وتعزيز الحوار الحضاري عبر خطوات عملية وملموسة.

ويمثل سعي البشرية نحو الحداثة عملية متواصلة من التوارث الحضاري والابتكار والتبادل والتعلم المتبادل. وبوصفها شكلا جديدا من أشكال الحضارة الإنسانية، يستلهم التحديث الصيني خبرات الحضارات الأخرى، ويسهم بدورها في إثراء التنوع الحضاري العالمي وتقديم رؤى للتعامل مع التحديات المشتركة.

ومن خلال مبادرات متنوعة، مثل "الحوار رفيع المستوى بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب السياسية العالمية"، و"الحوار رفيع المستوى حول التنمية العالمية"، وإنشاء "تحالف مراكز الفكر للجنوب العالمي"، إضافة إلى التعاون مع الدول الأفريقية لتنفيذ "خطط التعاون العشر من أجل الحداثة"، جعلت الصين من تبادل خبرات الحوكمة والتنمية جزءا أساسيا من تنفيذ "مبادرة الحضارة العالمية"، بما يتيح لمختلف الأطراف الاستفادة من الخبرات المتبادلة في مسارات التحديث الخاصة بها.

إن مواجهة التحديات العالمية المتفاقمة تتطلب الاستناد إلى قوة الحضارة والروح الإنسانية، والتعامل مع القضايا الدولية بروح من الصدق والمسؤولية. وتقف الصين على استعداد للعمل مع مختلف الأطراف من أجل التنفيذ المشترك لـ"مبادرة الحضارة العالمية"، وتسخير "نور الحضارة" لدعم التنمية والتقدم، وتوظيف "قوة الحضارة" لتعزيز مسيرة الحداثة البشرية، والإسهام في بناء "مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية"، بما يضخ مزيدا من الاستقرار والأمل في عالم اليوم.

صور ساخنة