الصفحة الرئيسية >> العالم العربي

مقالة: الحرب لم توقفها...الصناعة السودانية تبحث عن آفاق جديدة (3)

/مصدر: شينخوا/   2026:01:28.09:38
مقالة: الحرب لم توقفها...الصناعة السودانية تبحث عن آفاق جديدة

عطبرة، السودان 27 يناير 2026 (شينخوا) رغم أن أصداء الحرب لم تختفِ تماما من سماء السودان، وما تزال الهواجس الأمنية حاضرة في المشهد العام، فإن محاولات استعادة إيقاع الحياة الاقتصادية لم تتوقف.

ففي مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، حيث يسود قدر أكبر من الاستقرار النسبي، تحتضن قاعة الميناء البري بوسط المدينة فعاليات معرض "صُنع في نهر النيل" في خطوة تعكس سعي الولايات الآمنة إلى لعب دور محوري في دعم التعافي الاقتصادي وإعادة تحريك عجلة الإنتاج الوطني.

داخل قاعات العرض، بدت الحركة متواصلة منذ الساعات الأولى للافتتاح، فيما امتزجت أصوات الزوار بنقاشات العارضين وشرح الفنيين، لتُشكّل مشهدا يعكس إرادة الاستمرار وسط واقع لا يخلو من التحديات.

وبينما ظل القلق الأمني يفرض نفسه خارج أسوار المعرض، حملت أجنحته رسائل مختلفة، عنوانها قدرة الصناعة المحلية على التكيّف والصمود، وسعي ولاية نهر النيل إلى ترسيخ موقعها كمركز بديل للنشاط الصناعي في البلاد.

ويستمر المعرض لمدة خمسة أيام، بمشاركة نحو 320 مصنعا وشركة وطنية، تعرض ما يزيد على ألفي منتج صناعي محلي، في محاولة لإبراز قدرة الصناعة السودانية على الصمود والتعافي وسط ظروف استثنائية.

وعند مدخل القاعة الرئيسية، يلحظ الزائر منذ اللحظة الأولى حركة دؤوبة وازدحاما ملحوظا في الممرات، أصوات خطوات متلاحقة، ومحادثات جانبية بين عارضين وزبائن، وشرح فنيين لمواصفات منتجاتهم، اختلطت جميعها في مشهد يعكس حيوية غير مألوفة في ظل واقع اقتصادي معقد فرضته الحرب.

وفي تصريحات للصحفيين اليوم، قال والي ولاية نهر النيل محمد البدوي عبد الماجد، إن الولاية اتخذت حزمة من الإجراءات لتشجيع المستثمرين على نقل مصانعهم إلى الولاية، في إطار الجهود الرامية إلى إعادة توزيع النشاط الصناعي بعيدا عن المناطق الأكثر تضررا من النزاع.

وأوضح أن حكومة الولاية خفّضت رسوم تشغيل المصانع بنسبة 30%، كخطوة عملية لدعم القطاع الصناعي وتحفيز الاستثمار، مؤكدا أن الولاية ستواصل شراكاتها المنتجة مع القطاع الخاص، ومتعهدا بتوفير المناخ المناسب للاستثمار من حيث تسهيل الإجراءات وتحقيق الاستقرار الإداري.

داخل قاعات العرض، توزعت الأجنحة بترتيب بسيط لكنه منظم، ففي قسم المنسوجات، عُلّقت أقمشة قطنية وكتانية محلية الصنع على حوامل خشبية، بألوان دافئة ونقوش تحمل طابعا سودانيا واضحا.

وعلى مقربة منها، عُرضت منتجات جلدية وأدوات معدنية مصقولة بعناية داخل خزائن زجاجية، عكست مهارة حرفية محلية رغم محدودية الإمكانات.

أما قسم الصناعات الغذائية، فلفت الانتباه بعبوات مواد غذائية محلية الصنع، وزيوت للطعام أشهرها زيت السمسم والحبوب المصنعة التي اصطفت على الطاولات بأغلفة أنيقة، فيما كان بعض العارضين يشرحون للزوار مراحل الإنتاج وأساليبه.

وفي أحد الأجنحة، وقف فني من شركة محلية لتصنيع مضخات المياه وهو يُجري اختبارا عمليا لمضخة صغيرة، فيما تجمّع حوله عدد من الزوار، وجذبت عبارة "صُنع في نهر النيل"، المطبوعة على جوانب الجناح الأنظار، وتوالت الأسئلة حول كفاءة المضخة وسعرها، حتى امتلأ سجل الاستفسارات خلال ساعات فقط.

وفي جناح مجموعة جياد الصناعية، وهي من كبري المجموعات الصناعية بالبلاد، قال مدير شركة جياد للشاحنات والباصات إبراهيم أبكر إبراهيم، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن المعرض يمثل "عرضا جماعيا لقدرة الصناعة السودانية على البقاء".

وأوضح أن القطاع الصناعي واجه تحديات مركبة، شملت العقوبات التي أعاقت الحصول على قطع الغيار والتقنيات الحديثة، إضافة إلى الدمار الواسع الذي طال منشآت الإنتاج.

ومع ذلك، أشار إلى أن رواد الصناعة المحليين واصلوا البحث عن بدائل، ما أسهم في تحسين جودة المنتجات المحلية وقدرتها على منافسة المستورد، بل ودخول بعض الأسواق الإقليمية.

وأشار إلى أن تعافي الصناعة السودانية لا ينفصل عن دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما الصين، التي أسهمت في توفير مواد خام وتقنيات صناعية أساسية خلال الفترات الصعبة.

وقال " إن الشراكات مع الصين لعبت دورا محوريا في عودة الشركة إلى العمل بخطوط إنتاج السيارات والشاحنات وآليات النقل والزراعة".

وأوضح أن مجموعة جياد تتعامل حاليًا مع ثلاث شركات صينية متخصصة في صناعة المركبات، هي دونغ فينغ وسينو تراك وشيكمان، ما مكّن المجموعة من استعادة جزء كبير من طاقتها الإنتاجية وتلبية احتياجات السوق المحلي.

وفي جناح الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، عُرضت نماذج لنحو 45 قطعة من معادن وأحجار كريمة وصخور مختلفة، استوقفت الزوار والمهتمين.

وقال مدير مكتب الهيئة بولاية نهر النيل، محمد الطاهر، لـ((شينخوا)) إن مشاركة الهيئة في المعرض تهدف إلى التعريف بما تختزنه باطن الأرض في الولاية من موارد معدنية متنوعة يحتاجها السودان في مرحلة التعافي بعد الحرب المدمرة، مشيرا إلى أن هذه الموارد يمكن أن تشكّل قاعدة لصناعات تحويلية مستقبلية.

ومن بين الزوار، توقفت ابتسام العوض، وهي موظفة في شركة وطنية بمدينة عطبرة، طويلًا أمام أقمشة القطن المحلي، تتحسس ملمسها وتتأمل تفاصيلها.

وقالت لـ((شينخوا)) "لم أكن أتوقع أن تتمكن المصانع المحلية من إنتاج منتجات بهذه الجودة العالية".

وأضافت "نتطلع إلى أن يتطور هذا المعرض ليصبح (صُنع في السودان)، فالأوضاع الاقتصادية الراهنة وارتفاع الأسعار يجعلان الصناعات المحلية خيارا ضروريا ومهما".

ويُقام معرض "صُنع في نهر النيل" بتنظيم من وزارة الاستثمار والصناعة والمحاجر بالولاية، وتحت إشراف وزارة التجارة والصناعة السودانية، وبرعاية شركات وطنية كبرى، أبرزها مجموعة جياد الصناعية.

وبحسب وزارة الاستثمار والصناعة والمحاجر بولاية نهر النيل، يندرج المعرض ضمن خارطة طريق لإعادة بناء القطاع الصناعي، تشمل توطين مرافق الإنتاج بالولاية، وتحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية.

ويأتي هذا المعرض في وقت لا تتوفر فيه إحصاءات رسمية دقيقة عن حجم الخسائر التي تكبدها القطاع الصناعي السوداني بسبب الحرب، غير أن تقارير غير رسمية تُقدّر خسائر القطاع بنحو 50 مليار دولار، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالبنية الصناعية منذ اندلاع النزاع في منتصف أبريل 2023.

وأدت الحرب المستمرة إلى ما وصفه مختصون بـ"دمار شبه كامل" للقطاع الصناعي، الذي كان يُعد أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، فبين القصف المباشر وأعمال النهب الممنهجة، توقفت آلاف المصانع عن العمل، لا سيما في العاصمة الخرطوم التي كانت تمثل القلب النابض للصناعة السودانية.

وقبل اندلاع الحرب، كانت الصناعة تمثل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي للسودان، وتوفر وظائف لما يقارب 20% من القوة العاملة، وفقا لتقارير سابقة لوزارة الصناعة السودانية، إلا أن النزاع ألحق أضرارا جسيمة بهذا القطاع الحيوي، حيث أعلن اتحاد الغرف الصناعية في وقت سابق تدمير ما يقارب 550 مصنعًا في العاصمة الخرطوم وحدها.

وفي العاصمة الخرطوم تضررت 3493 منشأة صناعية كبيرة ومتوسطة، إضافة إلى تضرر 125 منشأة صناعية كبيرة في ولاية الجزيرة، بوسط البلاد، وفقا لتقارير سابقة لوزارة الصناعة السودانية.

صور ساخنة