روابط ذات العلاقة
نشر باحث غربي مؤخراً مقالاً تحليلياً في صحيفة "ستريتس تايمز" السنغافورية، يجادل فيه بأن الصين قد حطمت "نموذج الأوز الطائر"(flying geese model) ، وهو النموذج الذي تقوم بموجبه الدول المتقدمة بنقل الصناعات كثيفة العمالة إلى الدول الأقل نمواً. ويرى الباحث أن الصين، من خلال احتفاظها بالصناعات منخفضة ومتوسطة القيمة المضافة وفي الوقت ذاته التوسع في القطاعات عالية القيمة، قد أغلقت الطريق أمام الدول الآسيوية الأخرى نحو التصنيع. ويستند المقال إلى نظرية " الإزاحة الصينية " (China squeeze)، مصوّراً الصين كـ "عملاق اقتصادي" يستأثر بالمكاسب ويترك حيزاً ضئيلاً للآخرين.
طُرِح "نموذج الأوز الطائر" لأول مرة في عام 1932 على يد الاقتصادي الياباني كانامي أكاماتسو. وتُشبِّه هذه النظرية التنمية الاقتصادية الإقليمية بتشكيل طيران الأوز الذي يتخذ هيئة حرف (V)، حيث تقوم "أوزة المقدمة" التي تُمثِّل دولة متقدمة بنقل الصناعات والتقنيات الناضجة إلى الدول الأقل نمواً التي تليها في التشكيل، مما يدفع عجلة تقسيم العمل والارتقاء الصناعي تدريجياً عبر المنطقة بأسرها. وقد حظيت النظرية باعتراف واسع النطاق في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تزامناً مع استمرار صعود اليابان و"النمور الآسيوية الأربعة". غير أنه في الآونة الأخيرة، استعان بعض الباحثين الغربيين بـ "نموذج الأوز الطائر" لتفسير المشهد الصناعي في آسيا؛ إذ اعتبروا أن عدم انسحاب الصين فوراً وبشكل كامل من الصناعات الناضجة ذات القيمة المضافة المنخفضة قد أدى إلى "كسر" هذا النموذج، وزاعمين في الوقت ذاته أن الصين تهيمن على المستويين الأدنى والمتوسط، بينما تحتكر المستوى الأعلى.
في الواقع، تكفي نظرة فاحصة على نمو الاقتصادات الآسيوية في السنوات الأخيرة لدحض هذه الحجة. فلو كانت الصين تزيح بالفعل مسيرة التنمية في الدول المجاورة، لكان من المفترض أن تشهد حصة قطاع التصنيع في اقتصادات تلك الدول، وكذلك معدلات نمو صادراتها تراجعاً، غير أن الواقع يثبت عكس ذلك تماماً. فقد واصلت الصادرات الصناعية من الدول الآسيوية التي لحقت بركب التنمية في مرحلة لاحقة، مثل فيتنام وكمبوديا وبنغلاديش، نموها، وبوتيرة متسارعة في كثير من الحالات. ففي عام 2025، سجل الناتج المحلي الإجمالي لفيتنام نمواً بنسبة 8.02 في المائة، حيث شكلت القيمة المضافة لقطاع التصنيع 24.53 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وبالمثل، كان قطاع التصنيع محركاً رئيسياً لنمو الناتج المحلي الإجمالي في إندونيسيا بنسبة 5.11 في المائة خلال العام نفسه. أما في ماليزيا، فيشكل قطاع التصنيع 22.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسط العالمي. وفي كمبوديا، ارتفعت صادرات الملابس بنسبة 16.88 في المائة في عام 2025، مسجلةً بذلك أسرع معدل نمو بين كبار مصدري الملابس في آسيا. وبالنظر إلى الأداء الصناعي الفعلي لهذه الدول، أين تكمن بالضبط الأدلة التي تشير إلى تعرضها لـ " الإزاحة"؟
ثمة حقيقة أخرى يغفل عنها الكثيرون، وهي أن قطاع التصنيع في الصين بات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقطاعات التصنيع في دول أخرى بطرق جديدة كلياً. وبصفتها أكبر منتج في العالم للمواد الأولية الداخلة في صناعة المنسوجات والأحذية ومستلزمات الإنتاج ذات الصلة، حافظت الصين لفترة طويلة على حصة كبيرة من صادرات هذه المكونات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. فالأقمشة التي تستخدمها مصانع الملابس في فيتنام تأتي من مقاطعة تشجيانغ في شرق الصين، ونعال الأحذية التي تستخدمها المصانع في بنغلاديش تأتي من مقاطعة فوجيان في جنوب شرق الصين، والسحابات التي تستخدمها مصانع حقائب الظهر في كمبوديا تأتي من مدينة ييوو في مقاطعة تشجيانغ. ولم تؤدِ عملية الارتقاء الصناعي في الصين إلى "إزاحة" دول أخرى أو استبعادها من مسار التصنيع. بل على العكس من ذلك، ساعدت تلك العملية هذه الدول على الاندماج في شبكة إنتاج إقليمية واسعة النطاق، مما أتاح لها فرصاً تنموية للمشاركة في تقسيم العمل العالمي، وهي فرص كان من الصعب تصورها في الماضي.
وفي إطار شبكة التوريد والإنتاج الآسيوية هذه، لا يتمثل دور الصين في مزاحمة الآخرين أو إقصائهم، بل في تمكينهم. ففي عام 2025، بلغ إجمالي قيمة التجارة بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) 7.55 تريليون يوان (1.12 تريليون دولار)، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 8 في المائة، مما جعل كلاً منهما الشريك التجاري الأكبر للآخر للعام الخامس على التوالي. وقد شكلت السلع الوسيطة أكثر من 60 في المائة من حجم التجارة الثنائية. ويعني هذا أنه مع تطوير دول "آسيان" لقطاعاتها التصنيعية، فإنها تستورد كميات كبيرة من المواد الخام والمكونات والمنتجات نصف المصنعة من الصين. ويتضح هنا تقسيم العمل: إذ توفر الصين السلع الوسيطة، وتتولى دول "آسيان" عمليات المعالجة والتجميع، ثم تُشحن المنتجات النهائية إلى الأسواق العالمية. وفي الوقت نفسه، تعمل الشركات الصينية على إنشاء مصانع في مختلف الدول الأعضاء في "آسيان"، جالبةً معها رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات الإدارية ودعم سلاسل التوريد، وهي بالضبط العناصر التي تشتد حاجة الدول النامية المتأخرة إليها لتحقيق النمو الاقتصادي والارتقاء بمستواها الصناعي.
إن تصوير تطور الصين على أنه "عقبة" أمام جيرانها هو بحد ذاته نتاج لعقلية "الربح على حساب الآخر" (أو ما يُعرف بـ "اللعبة الصفرية"). إذ تفترض هذه الرؤية أن "كعكة" التصنيع العالمي ثابتة الحجم، بحيث أن كل حصة إضافية يستحوذ عليها اقتصاد ما تعني توفر حصة أقل للاقتصادات الأخرى. غير أن الواقع يشير إلى أن الارتقاء الصناعي في الصين يعمل باستمرار على زيادة حجم الكعكة بأكملها. فالصين بحاجة إلى استيراد المزيد من الموارد والمنتجات الزراعية والسلع المصنعة الأساسية من دول رابطة "آسيان"، كما أن الشركات الصينية التي تتوسع في الخارج تحتاج إلى موردين وعمالة محليين، فضلاً عن حاجة المستهلكين الصينيين إلى المزيد من السلع والخدمات من مختلف أنحاء آسيا. ويُعد النمو المستمر لصادرات دول "آسيان" إلى الصين دليلاً واضحاً على الطلب الهائل الذي يولده الارتقاء الصناعي الصيني.
في المقابل، إذا انساقت أي دولة آسيوية وراء سردية " الإزاحة الصينية " وتخلت طواعيةً عن الصين، باعتبارها أكبر مورد للسلع الوسيطة ومصدراً للاستثمارات وسوقاً مجاورة، فإن النتيجة الحتمية ستكون ارتفاع تكاليف التصنيع وتراجع القدرة التنافسية. وتدرك الدول الآسيوية هذه الحقيقة بوضوح، فبدلاً من رفض التعاون مع الصين، نجدها تنخرط بفاعلية في اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) وتعمل على تعزيز روابطها الاقتصادية والتجارية مع الصين. وهي تدرك أن تحقيق اندماج عميق مع الصين التي تمتلك أضخم منظومة تصنيع في العالم يُعد مساراً مختصراً نحو التصنيع، وليس عائقاً أمامه.


روبوتات تتحدى شدّ الحبل.. والسقوط يفاجئ الجميع
لا ترمش عينك، خبز النان سيطير في الحال!
ثلاثة أكواب تجعلك تكتشف مدينة قوييانغ
فن الصنوبر... رسالة فنانة من آرشان لحماية الغابات
مشهد مذهل لعبور الظباء التبتية في شيتسانغ خلال الهجرة الموسمية
بحيرة يونتشنغ تتلألأ بالألوان: ازدهار الطحالب يرسم مشهداً طبيعياً فريداً
عيد دوانوو: حكاية مهرجان قوارب التنين عبر فن الرسم بالرمال
الدمية الصينية "لابوبو" تخطف الأضواء في افتتاح كأس العالم