غزة 6 فبراير 2025 (شينخوا) وسط موجه من التصريحات المثيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة، تبدو الساحة السياسية الإقليمية أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، وجه خبراء فلسطينيون كلمات لاذعة لترامب مفادها أن "قطاع غزة ليس بيدقا يمكن أن تأكله بل ملكا سيدمرك".
ورأي خبراء سياسيون فلسطينيون في تصريحات منفصلة مع وكالة أنباء ((شينخوا)) أن تصريحات ترامب لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل جزءا من رؤية أوسع للتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي تضاف إلى سلسلة من المحاولات التي جرت خلال السنوات الماضية لتغيير الوضع الديموغرافي في الأراضي الفلسطينية.
ويعتقد الخبراء أن الحديث عن تهجير الفلسطينيين من غزة، الذي طرحه ترامب في عدة مناسبات، يعكس تحولا خطيرا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ويثير تساؤلات عدة حول طبيعة هذه السياسات وأثرها على المنطقة.
-- ترامب شخصية مثيرة للجدل
يعد ترامب شخصية مثيرة للجدل في الساحة السياسية العالمية، ورؤيته للصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا تختلف عن توجهاته الأخرى التي تتمحور حول الاستفادة من مصالحه الشخصية والحزبية.
وفيما يخص قطاع غزة، يعتقد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن تصريحات ترامب تندرج ضمن سياق أوسع من السياسة الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة.
ويقول عطا الله لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن التهجير الذي يتحدث عنه ترامب ليس مجرد تصرف فردي، بل هو نتاج لسياسة إسرائيلية مدروسة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي في المنطقة.
ومع ذلك، يؤمن عطا الله أن "قطاع غزة ليس بيدقا يمكن لترامب أن يأكله بل على العكس تماما فأن قطاع غزة يعصي على المحتلين الغازين الطامعين ويعد ملكا سيدمر ترامب وسياسته الرامية إلى اخضاعه واحتلاله وتملكه"، على حد قول الكاتب الذي حمل في طيات تعبيره تحذيرا من مغبة تنفيذ مثل هذه المخططات الاستعمارية البغيضة التي ستؤدي إلى تفجر المنطقة بأسرها.
ويرى أن تصريحات ترامب تأتي في وقت حساس، حيث يواصل "الاحتلال الإسرائيلي" تنفيذ مشاريعه الاستيطانية والتوسعية في الضفة الغربية، في حين يبذل ترامب جهودا حثيثة لتكريس الاحتلال والتوسع الإسرائيلي في المنطقة.
وأضاف عطا الله أنه من اللافت أن "الولايات المتحدة تتعامل مع فلسطين كما لو كانت مجرد قطعة أرض يمكن التفاوض عليها بين القوى الكبرى، دون النظر إلى حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والتي ناضل من أجلها جميع أطياف الشعب الفلسطيني وقدموا تضحيات لا يمكن لشخص مثل ترامب أن يحصيها".
-- أوهام ترامب حول صفقة القرن
منذ أن تولى ترامب الرئاسة في الولايات المتحدة، كانت سياسته تجاه فلسطين تتسم بعدم الاستقرار، حيث أعلن في البداية عن "صفقة القرن" التي نصت على حل نهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وبينما اعتبر ترامب هذه الصفقة خطوة تاريخية نحو السلام، اعتبرها الفلسطينيون تصفية للقضية الفلسطينية وأوهاما لن تتحقق إلا عبر انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني وطرده من أرضه، فبالنسبة لهم، كانت هذه الصفقة محاولة لتوسيع الاحتلال الإسرائيلي على حساب الأراضي الفلسطينية، خاصة بعد إعلان ترامب عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها "عاصمة أبدية لإسرائيل".
ويقول الكاتب والمحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية فادي جمعة لـ((شينخوا)) إن تصريحات ترامب الأخيرة حول تهجير الفلسطينيين من غزة ليست مفاجئة، بل هي امتدادا للخطوات التي بدأها في بداية ولايته.
ويضيف جمعة "خطاب ترامب في الفترة الأخيرة ليس جديدا، بل استمرارا لما بدأه من إعلان نيته لتصفية القضية الفلسطينية، وكان يتحدث عن تهجير الفلسطينيين بشكل علني".
ويتابع أن "ما تحدث به ترامب يتفق بشكل كبير مع ما عرضه في صفقة القرن، خاصة فيما يتعلق بتوسيع دولة إسرائيل وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم".
ولا تقتصر تصريحات ترامب على قطاع غزة بل على الضفة الغربية والقدس، على حد قول جمعة الذي رأي أن "الرئيس الأمريكي له كاريزما مثيرة للجدل" يسعى إلى دعم السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.
ليس بعد، يؤمن جمعة أن "الرجل الأبيض -ترامب-" يسعى لتحقيق مكاسب شخصية وحزبية، كما أن سياساته تتماشى مع مصالح اللوبي اليهودي الذي كان داعما له في الانتخابات الرئاسية"، وبالتالي، فإن هذه السياسات تضر بحقوق الفلسطينيين وتخدم أهداف إسرائيل في المنطقة.
-- ادعاءات ترامب ضد القانون الدولي
من جانبه، دحض خبير القانون الدولي الفلسطيني محمد شلالدة الادعاءات التي طرحها ترامب بأن خطواته "غير المنطقية" بتهجير الفلسطينيين إلى دول مجاورة "قانونية" وتهدف إلى تطوير قطاع غزة وإعادة إعماره.
ويقول شلالدة لـ((شينخوا)) "إن تصريحات ترامب لا تتمتع بأي قيمة قانونية لأنها تعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي والإنساني".
ويضيف أن "التهجير القسري للفلسطينيين يعد جريمة حرب وفقا للقانون الدولي، وهو محظور بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة"، مشيرا إلى أن مثل هذه التصريحات لا تعد ملزمة، بل هي محض استفزاز سياسي تهدف إلى فرض واقع جديد يتماشى مع أهداف الاحتلال الإسرائيلي.
ويشدد شلالدة على أن "الالتزامات الدولية تجاه فلسطين واضحة ومحددة بموجب المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وخاصة ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، وبالتالي لا يعتد بهذه التصريحات التي تحاول تجاوز الحقوق الفلسطينية".
ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم ضد هذه التصريحات، مؤكدا أن "المسؤولية القانونية الدولية تقتضي محاسبة من يحرض على ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين".
-- عواقب سياسية على المنطقة
من المؤكد أن تصريحات ترامب حول تهجير الفلسطينيين ستؤثر بشكل كبير على العلاقات بين الدول العربية وفلسطين.
ويقول غسان الخطيب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيرزيت لـ((شينخوا)) إن "هذه التصريحات ستؤدي إلى مزيد من التوتر في المنطقة، لأنها تتناغم مع السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى تفكيك القضية الفلسطينية".
ويضيف "المواقف العربية كانت واضحة في رفض هذه السياسات، خاصة من الدول التي تربطها علاقات قوية مع فلسطين مثل السعودية ومصر، حيث أكدت هذه الدول على موقفها الثابت في دعم حقوق الفلسطينيين ورفض أي محاولة لتصفية القضية".
وبحسب الخطيب فإن "هذه التصريحات تهدد استقرار المنطقة، خاصة في دول مثل الأردن ومصر، تعانيان بالفعل من آثار القضية الفلسطينية على استقرارهما الداخلي".
ويضيف "إن الأردن ومصر لن تقبلا بأي شكل من الأشكال بمشاريع تهجير الفلسطينيين، لأن ذلك سيشكل تهديدًا مباشرًا لأمنهما القومي".
ويشدد الخطيب على أن "إسرائيل كانت دائمًا تسعى إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، وهو ما يتجلى في التصريحات الأخيرة لترامب، التي تأتي في وقت حساس يهدد بنقل أعباء الصراع إلى دول أخرى في المنطقة".
وحذر من أن تصريحات ترامب تشكل تهديدا استراتيجيا للمنطقة بأسرها، ويجب على الدول العربية أن تتوحد لمواجهة هذا التحدي الكبير.
-- العمل الجماعي ضد ترامب ومشروعه
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي من قطاع غزة حسام الدجني أن القوة الوحيدة التي تستطيع مواجهة تهديدات ترامب هو ضرورة استعادة الوحدة الفلسطينية والعربية للتصدي لهذه السياسات.
ويقول الدجني لـ((شينخوا)) "مع أن الخلافات بين الفصائل الفلسطينية تعتبر عائقا كبيرا أمام التنسيق الفعال، فإن هذا الوقت يتطلب تكثيف الجهود والعمل المشترك من أجل منع تنفيذ هذه المخططات".
ويضيف "إن التنسيق بين حركتي حماس وفتح، بالإضافة إلى دعم الدول العربية، يمكن أن يكون له تأثير كبير في التصدي لهذه المخططات".
ويتابع "إن الخطوة الأولى يجب أن تكون إيجاد حلول عملية لدعم صمود الفلسطينيين في غزة، وتحقيق نوع من الحياة المستدامة للمواطنين الفلسطينيين، وهو ما يتطلب تضافر جهود كافة القوى الفلسطينية والعربية، إضافة إلى دعم المجتمع الدولي".
ويحذر الدجني من أن إحدى العقبات الرئيسة في "وجود بعض الأفراد الذين يسعون وراء مكاسب شخصية على حساب المصالح الوطنية الفلسطينية، مما يعرقل وصول الدعم إلى الشعب الفلسطيني".
ويجمع المحللون السياسيون أن تصريحات ترامب الأخيرة تضع القضية الفلسطينية في منعطف حاسم، مشددين على أن "قطاع غزة ليس بيدقا في لعبة جيوسياسية"، بل هو جزء أساسي من هوية الفلسطينيين وأرضهم.
وقال المحللون السياسيون في ختام حديثهم "وفي هذه اللحظة الحاسمة، يظل مستقبل فلسطين في يد شعبها وقيادتها، ويجب على الجميع أن يتكاتفوا لمواجهة المخططات التي تهدد وجودهم".
وأضاف المحللون أن "المصير الفلسطيني" يتوقف على إرادة الشعب الفلسطيني في الاستمرار بالنضال من أجل حقوقهم المشروعة، وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات التي تطرأ من الخارج.