الصفحة الرئيسية >> العلوم والتكنولوجيا

تقرير اخباري: الحوسبة الخضراء: أمل العالم في مواجهة فاتورة طاقة الذكاء الاصطناعي

تقرير اخباري: الحوسبة الخضراء: أمل العالم في مواجهة فاتورة طاقة الذكاء الاصطناعي

بات الاستهلاك الضخم للطاقة في تطوير الذكاء الاصطناعي قضية محورية على أجندة إدارة الطاقة والمناخ عالميا، إذ أدرجتها دولٌ عديدة في صلب نقاشاتها السياسية. بينما تبرز الطاقة الحاسوبية النظيفة مسارا أساسيا لتجاوز هذه المعضلة. ويُشكّل التعاون الدولي مفتاحا لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة.

هذا الاتجاه تدعمه العديد من البيانات ذات الصلة، فقد كشف تقرير وكالة الطاقة الدولية «الطاقة والذكاء الاصطناعي» أن مراكز البيانات، باعتبارها العمود الفقري لعمليات الذكاء الاصطناعي، تشهد نموا متسارعا في استهلاكها للكهرباء. ففي عام 2024، بلغ استهلاك مراكز البيانات العالمية 415 تيراواط/ساعة، أي ما يعادل 1.5% من إجمالي الاستهلاك الكهربائي العالمي، وهو رقمٌ يُضاهي الاستهلاك السنوي للمملكة المتحدة بأسرها.

ومع تصاعد مهام تدريب الذكاء الاصطناعي واستنتاجاته، تتوقع الوكالة أن يقفز هذا الرقم إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، مُقتربا من إجمالي الاستهلاك الكهربائي السنوي لليابان.

في الأثناء، تتصاعد وتيرة هذا النمو بصورة لافتة في الاقتصادات المتقدمة تحديدا. إذ يُشير التقرير ذاته إلى أن الزيادة في استهلاك مراكز البيانات الأمريكية ستستأثر بنحو 50% من إجمالي النمو في الطلب على الكهرباء داخل الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2030. فيما ترجّح التقديرات الأوروبية، أن يبلغ استهلاك مراكز بيانات الاتحاد الأوروبي 150 تيراواط/ساعة بحلول العام نفسه، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواه الراهن.

في هذا السياق، أوضح تشاي تشيمين، مدير التخطيط الاستراتيجي في المركز الصيني لاستراتيجية تغير المناخ والتعاون الدولي، في تصريح لصحيفة الشعب اليومية، أن نماذج الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق تنطوي على مئات المليارات من المُعاملات، خلافا لنماذج الحوسبة التقليدية، مما يُضاعف الحمل الحسابي بصورة هائلة ويُفضي إلى استهلاك ضخم للطاقة.

وأشار تشاي تشيمين إلى أن استهلاك الكهرباء في أمريكا ظلّ مستقرا نسبيا على مدى خمسة عشر عاما، قبل أن ينمو بوتيرة متسارعة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس الأخيرة، ويُعزى ذلك إلى حدٍ بعيد إلى استحواذ الولايات المتحدة على ما يقارب نصف مراكز البيانات الكبرى في العالم. وخلص تشاي تشيمين إلى أن الارتفاع الحاد في استهلاك الطاقة، الذي أفرزه التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي، بات يُشكّل تحديا فعليا لمنظومة إمدادات الطاقة العالمية.

في مواجهة هذا التحدي، غدت الحوسبة الخضراء، بوصفها نموذجا تطويريا منخفض الكربون وفعّال الأداء لمنظومة مراكز البيانات اتجاها عالميا رئيسيا، يدفع بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي نحو التحوّل من "مستهلك شره للطاقة" إلى "عملاق أخضر".

وتسلك الدول في هذا الاتجاه مسالك متباينة: فالاتحاد الأوروبي يرسي عبر سياساته منظومة واعية بالطاقة، يأتي 90% من كهربائها في مراكز البيانات من مصادر متجددة؛ وتعتمد الولايات المتحدة على الغاز الطبيعي والطاقة النووية لتغطية الأحمال الأساسية، بينما تُقبل شركات التكنولوجيا الكبرى على شراء الكهرباء الخضراء بكميات ضخمة واستكشاف الطاقة النووية؛ فيما تُشيّد المملكة العربية السعودية منشآت ذكاء اصطناعي خالية من الكربون تعتمد على الخلايا الكهروضوئية الصحراوية وتخزين طاقة الهيدروجين الأخضر.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تستقطب كلٌّ من الصين والولايات المتحدة وأوروبا 85% من الطاقة الحوسبية العالمية الجديدة خلال العقد المقبل. في ظل تمركز أكثر من نصف مراكز البيانات قيد الإنشاء في المدن الكبرى، مما يُلقي بأعباء جديدة على شبكات الطاقة ويستدعي تنسيقا إقليميا أعلى.

وتحقق الصين من جانبها، نتائج لافتة على طريق الحوسبة الخضراء. فمن خلال مبادرتي "معالجة البيانات الشرقية في الأقاليم الغربية" و"التكامل بين الحوسبة والكهرباء"، أرست الصين شبكة حوسبة متكاملة على المستوى الوطني، وحققت توافقا مكانيا وزمنيا دقيقا بين قدرات الحوسبة والطاقة الكهربائية النظيفة، إذ تجاوزت نسبة هذه الطاقة في مراكز البيانات المستحدثة عند نقاط الربط حاجز 80%.

وقد حرصت الصين منذ مرحلة التخطيط على تحديد مؤشرات فعالية استخدام الطاقة (PUE) ونسب الطاقة النظيفة بصورة واضحة، مستثمرة "تأثير التثبيت" في البنية التحتية الحوسبية للتحكم في الاستهلاك من منبعه، مايجنبها الوقوع في فخ "البناء ثم الإصلاح".

وفي السياق ذاته، نشأ بين الذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة نمطٌ تنموي تكاملي متوازن، تُمدّ فيه الطاقة الجديدة الذكاءَ الاصطناعي بأمن طاقي نظيف، في حين يُعزز الذكاء الاصطناعي دقة التنبؤ وجدولة الطاقة الجديدة على نحوٍ مثالي. فضلا عن دعم البحث والتطوير في تقنيات متقدمة كالاندماج النووي القابل للتحكم وطاقة الفضاء، مما يضخّ زخما قويا في الصناعة.

خلف تحديات استهلاك الطاقة في الذكاء الاصطناعي تختبئ فرصةٌ حقيقية لإعادة تشكيل منظومة الطاقة العالمية، مما يُحوّل التعاون الدولي من خيار إلى ضرورة حتمية. وبمقدور جميع الأطراف التعاون في البحث والتطوير في مجالات متقدمة كمراكز بيانات الفضاء، وتعزيز الاعتراف المتبادل بمعايير الطاقة الحاسوبية الخضراء ضمن أطر دولية، وإرساء آليات تعاونية لجدولة الطاقة الحاسوبية والكهربائية.

ومع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى محرك لمصادر الطاقة الجديدة، قد تشهد خريطة الطاقة العالمية للنفط والغاز تحولات جوهرية. وتستطيع الصين، انطلاقا من مزاياها التنافسية على امتداد سلسلة صناعة الطاقة الجديدة بأسرها، أن تُقدّم خبرة عالمية رائدة في التعاون التكنولوجي وتطوير البنية التحتية والبحث المتقدم. ويُتيح التطوير المتكامل للرقمنة والتقنيات الخضراء للمجتمع الدولي فرصة تاريخية لتمهيد الطريق نحو مستقبل الطاقة الحاسوبية الخضراء، من خلال توازن مدروس بين ابتكارات الذكاء الاصطناعي ومتطلبات التنمية الطاقية المستدامة.

صور ساخنة