الأخبار الأخيرة

مقالة: استلهامات واقعية من سفرة سياحية (2)

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/  16:20, September 05, 2017

    اطبع

مدينة ليجيانغ: المياه والخضرة والبشر النشيط

هذه المدينة تقع شمال غرب مقاطعة يوننان، على تقاطع يربط 3 مقاطعات صينية هي يوننان وسيتشوان والتبت، وتمتد على مساحة أكثر من 26 ألف كم2، ويقطنها 1.285 مليون نسمة، يمثلون خليطا متجانسا من قوميات البلاد، ولكن الغالبية تميل لصالح قومية ناشي(320 ألف نسمة)، لذلك هناك محافظة ذاتية الحكم لهم، ويقطن معهم قوميات يي وليسو وباي وهان. ولعل أبرز ما يميز هذه المدينة الزاهية الخضرة هو السماء الصافية الزرقة والسحب البيضاء المتثاقلة التي تبرز زرقة السماء، والهواء المنعش الذي يغري الإنسان بأن يستنشق المزيد منه، في ظل مشاعر التمتع بالمكان. ولأن المنطقة مرتفعة أصلا، فجداول المياه تترقرق في كل اتجاه، بنسق يشبه الشرايين، ويوحي بأنه متدفق بالصفاء للجميع. خضرة الأشجار في كل مكان، والقديم يحتضن الجديد، ولذلك، لا غرابة بأن ترى المباني العالية تحيط بالبلدة القديمة في ليجيانغ، التي بفضل عراقتها وحفظها التام النموذجي بالصين، نالت اعتراف واحتضان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، فتمّ ضمها لقائمة التراث الثقافي العالمي عام 2009. البلدة القديمة عريقة جذابة بطابعيها العريق والحديث، والحركة فيها عصرية حيوية تدفع تمازج تيار الماضي مع الحاضر. تمتد هذه البلدة القديمة على مساحة 1.5 كم2، ومعظم سكانها من قومية ناشي؛ محلاتها وشوارعها منتظمة، والطابع التجاري الحديث لم يغير من العراقة شيئا، فيبقى المرء مغمورا بإحساس عراقة التاريخ والتراث، ومطمئنا لتواصل مسيرة البشر. هذه البلدة القديمة محاطة بسلاسل جبلية من الغرب والشمال، تقيها الرياح الباردة. ومن الجنوب والشرق، هناك أراض خصبة تمتد على مرمى البصر، وشمس ساطعة وقنوات مياه رقراقة. شوارع البلدة مبلطة بحجر محلي يبقى نظيفا غير موحلٍ رغم الأمطار، ونظيفا بلا تراب في مواسم الجفاف. المباني السكنية ذات هياكل خشبية بالغالب، وفيها جدار أمامي يمثل ستارة حاجبة أمام الباب، لتستر ما بداخل البيوت الشرقية التقاليد.

في العنوان الفرعي في الفقرة أعلاه حول ليجيانغ "المياه والخضرة والبشر النشيط"، اخترت البشر النشيط، لأن أبناء ناشي يتمتعون بحيوية واضحة، كهولا وشبابا! إن عددهم قليل نسبيا (320 ألف نسمة)، ومن الطبيعي أن يشجعوا على الزواج والتناسل حفاظا على نسلهم، وهذه التوجهات تبرز نشاطا واضحا بين أبناء هذه القومية. المرأة في هذه القومية تقوم بكافة الأعمال التي من المفترض أن يقوم بها الرجل في القوميات الأخرى بالصين، أو في بقاع العالم كافة.

كلمة ناشي تعني البشرة السمراء، وهم يترجمونها إلى سوداء، رغم أنهم ليسوا سودا بل بشرتهم ملفوحة بشمس ساطعة قريبة أكثر من سطح أرضهم. بشرتهم وأجسادهم القوية بفضل بيئتهم المرتفعة، تجعلهم يضخون حيوية بالمظهر والجوهر. ومن أجل تحية ضيوفهم، قدموا لنا عرضا راقصا رائعا من تراثهم القومي؛ أجمل ما فيه قرع الطبول والغناء العالي الطبقة الصوتية، وامتطائهم لصهوات جياد قوية تتميز بقصر السيقان المناسبة لتسلق المرتفعات، أكثر من الجري على السهول. العرض كان رائعا وشارك فيه نحو 500 راقص من الفتيان والفتيات، قرعوا الطبول وتناغموا روحيا مع الطبيعة المحيطة بهم، خاصة أنهم يركزون على تناغم الإنسان مع السماء والأرض، بحيث يوصلون رسالتهم من القلب إلى القلب. كان العرض جذابا بحيث اقترحت على المسئولين المحليين أن يسعوا لتنظيم مهرجان سياحي سنوي يتضمن فعاليات على شاكلته!

إن التمتع بالعراقة وجمال الطبيعة يوجب علينا استمرارية الحياة وديمومتها. قنوات المياه الصافية المتدفقة بين محلات ومباني البلدة القديمة، تتدفق بكل الاتجاهات، ثم تنتهي ببرك مائية محاطة بتلال خضراء وجبال شاهقة على مد البصر؛ وبفضل وفرة المياه، وخصوبة التربة، يمكن رؤية أجمل الأزهار البرية والأعشاب الصالحة لأن تكون إضافات للأطعمة، مثل التوابل والنكهات، ولصناعة العقاقير الطبية. أما الأزهار - فما شاء الله - تبهر الأنظار وتسرّ العين وتشرح القلب.

هناك حالة ربما يمر بها معظم الناس في العصر الراهن، وهي أن معظمنا يركز نظره على شاشة الكومبيوتر، سواء للعمل أو للبحث، وغالبا ما نخصص بعض الدقائق للنظر نحو زاوية بمكتب العمل عسى أن نجد أفقا يوفر امتدادا مريحا للعين المُجهَدة. ولهذا السبب، فإن رؤية سماء زرقاء لا محدودة، وخضرة زاهية وألوان في غاية الروعة، تحيطها بحيرات من المياه البلورية، تعتبر قمة في الترويح عن النفس وإراحة العين من مجهودها اليومي. فتبارك الله أحسن الخالقين!

أما الاسترخاء المدلل بمثل هذه السفرات، فيتجسد بالفندق الـ5 نجوم، والسرير الملكي، وطيبات الطعام السياحي بما لذ وطاب من الأنواع، "وكلوا من رزقه وإليه النشور".!

في مدينة ليجيانغ الجميلة، حيث الموارد الطبيعية الوافرة، كان المسئولون المحليون واقعيين واعترفوا بأنهم مازالوا يسعون جاهدين لاستغلال هذه الموارد بشكل يخدم المدينة وسكانها، بشرط أن لا يسبب ضررا للأرض وما عليها. في الحقيقة، هذا ما تنتهجه الصين إجباريا حاليا، وهو أنه يمكن استغلال الموارد ولكن بشكل صديق للبيئة تماما، وعدا ذلك محظور. هذه المدينة غنية بالموارد البشرية وتحظى بدعم الحكومة المركزية بالصين، ولكن الاقتصاد المحلي مازال ضعيفا، يتطلب المزيد من العمل والسعي لكسب الخبرات والمشورة النافعة. والمدينة جميلة جدا بفضل الموارد السياحية، ولكن صناعة السياحة مازالت ضعيفة. الذي يرى بأم عينيه ويلمس الرغبة الجادة لدى هؤلاء الناس المحليين بالمدينة، يتأكد تماما بأنهم سينجحون بالمستقبل المنظور، بفضل الكثير من الأسس القوية، ولاسيما التعايش المجتمعي المنسجم، الذي يعتبر الأساس الأهم للعمل التنموي التطويري، أيا كان نوعه.

"وخلقنا من الماء كل شيء حي"، هذه إشارة عظيمة بالغة الروعة لأهمية المياه، التي تتواجد بكثرة بهذه المدينة، ولكن ما يشغل بال المعنيين هنا، هو ضرورة هندسة هذه الموارد بحيث تحيي كل شيء وتكون محفوظة على مدى الأجيال، فهي ثروة لا تقدر بثمن!

عندما قلت في الأسطر القليلة السابقة، إن الله من وراء القصد، فأنا أقصدها تماما؛ فهذا المقال المتواضع يهدف إلى مشاطرة الحديث مع القراء الكرام عن جمال طبيعي سياحي، ولكن الغاية الأسمى هي الإعراب عما يجول في فكري وقلبي، بضرورة أن نستفيد من التجارب الواقعية للآخرين لننهض بمستوى شعوبنا التي تعاني حاليا من أسوأ ما يمر به البشر. تحريك عجلة الحياة، من خلال فرص العمل الكريم، خاصة للشباب، وتحقيق الرغبات المشروعة للبشر بوظيفة ملائمة أو تكوين مشروع ناجح، ثم عائلة وأولاد، هي أمور كفيلة بأن تنقذنا من دوامة العنف التي تعصف بنا. ورحم الله من قال: "إن الشباب (العاطل) والفراغ والجِدة ... مفسَدة للمرء أيّ مفسدة."

لقد اخترت كلمة "واقعية" في العنوان، لأن استذكار أو استلهام الواقع بمختلف حالاته، قد يساعد كثيرا في معالجة حالات تبدو مستعصية، ونحن نؤمن تماما بأنه لا يوجد شيء مستعص على إرادة الله تعالى، بشرط أن يكون البشر مستعدين للعمل. الواقع الذي نمر بها حاليا، نحن الشعوب العربية، فيه الكثير من المرارة. ولكن، لنتذكر أن الصين مثلا، كانت قبل 100 سنة، شبه مُستعمَرة، والشعب الصيني يعاني الأمرّين من غزو وعدوان القوى الاستعمارية الناهبة لخيراته، ومن واقعه المأساوي المرّ! ولكنه جاهد للنهوض من ذلك الواقع، وبذل الغالي والنفيس، والجهد والدم والعرق، ونجح في التخلص من ذلك الواقع المأساوي! هذا يعني "وللحرية الحمراء باب .... بكل يد مضرجة يدق".


【1】【2】【3】【4】【5】

صور ساخنة

أخبار ساخنة

روابط ذات العلاقة

arabic.people.cn@facebook arabic.people.cn@twitter
×